الثلاثاء 4 أغسطس 2026 06:34 مـ 19 صفر 1448 هـ
×

سامر شقير: المواني تحوَّلت من نقاط عبور إلى منصات طاقة ولوجستية متكاملة

الثلاثاء 4 أغسطس 2026 04:12 مـ 19 صفر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ التحول المتسارع نحو كهربة المواني العالمية يمثل أحد أبرز التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن هذا المسار يسبق بوتيرة واضحة عملية إزالة الكربون من قطاع الشحن البحري نفسه، ويعيد رسم خريطة تخصيص رأس المال في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا اللوجستية، مع انعكاسات مباشرة على الأسواق الناشئة ومنطقة الخليج.

وأوضح سامر شقير، أن انخفاض تكاليف البطاريات، إلى جانب تشديد اللوائح البيئية، واستقرار العوائد التشغيلية للمواني، أسهم في فتح مسارات استثمارية جديدة، جعلت من المواني أصولًا استراتيجية تجمع بين النمو طويل الأجل والاستقرار المالي، وهو ما يعزز اهتمام المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية بهذه الفئة من الأصول.

وقال سامر شقير: إن المواني، التي تتعامل مع أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية، دخلت مرحلة كهربة هادئة لكنها حاسمة، حيث أصبحت معظم الرافعات الجسرية الكبيرة تعمل بالكهرباء عبر الشبكة، بينما استحوذت البطاريات على نحو 28% من مبيعات هذه الرافعات خلال عام 2024، في حين بلغت حصة الأنظمة الهجينة نحو 17%.

وأضاف سامر شقير، أن ميناء جواهر لال نهرو بالقرب من مدينة مومباي يتجه لتحويل 90% من أسطول الشاحنات إلى الكهرباء بحلول نهاية العام، بينما يعمل نحو خُمس معدات مناولة البضائع في ميناء لونغ بيتش بالكهرباء، في الوقت الذي صممت فيه منطقة تواس في سنغافورة، التي يتوقع أن تصبح أكبر محطة حاويات في العالم بحلول عام 2040، لتعمل بالكامل تقريبًا بالاعتماد على الكهرباء والبطاريات.

وأشار سامر شقير، إلى أن هذا التحول يحدث في وقت لا يزال فيه قطاع الشحن البحري يعتمد بصورة كبيرة على الوقود الثقيل، موضحًا أن التشريعات الأوروبية، ومنها FuelEU Maritime وAFIR، تفرض توفير أنظمة الطاقة الشاطئية في المواني الرئيسية بحلول عام 2030، بينما تتجه الصين وولاية كاليفورنيا الأمريكية إلى تطبيق معايير أكثر صرامة، وهو ما يخلق فجوة استثمارية واضحة بين قدرة المواني على تنفيذ التحول الكهربائي بسرعة، وبين التحديات التقنية والاقتصادية التي لا تزال تواجه مشغلي السفن.

وأوضح شقير، أن حجم سوق كهربة المواني بلغ نحو 6.8 مليار دولار خلال عام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 16.2 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 10.1%، وهو ما يعكس وجود طلب هيكلي متزايد على معدات الشحن الكهربائي، وأنظمة الطاقة الشاطئية، والبطاريات، وحلول الشبكات الذكية.

وأكد سامر شقير، أن هذا التحول يمثل فرصة استثمارية واسعة للمؤسسات المالية، تمتد إلى تصنيع المعدات الكهربائية الثقيلة، والبنية التحتية للطاقة داخل المواني، وبرمجيات إدارة الطاقة والطلب، إضافة إلى التمويل الأخضر، مشيرًا إلى أن الشركات التي توفر حلول الشاطئ إلى السفينة، والرافعات الكهربائية، والمركبات الطرفية الكهربائية، والبطاريات عالية السعة، أصبحت تتمتع بموقع تنافسي أقوى في الأسواق العالمية.

وقال سامر شقير: "المواني تحولت من مجرد نقاط عبور إلى منصات طاقة ولوجستية متكاملة، المستثمر المؤسسي الذي يركز على التدفقات النقدية المستقرة سيفضل الأصول التي تجمع بين العائد التشغيلي والمساهمة في أهداف إزالة الكربون، خاصة في الأسواق التي تتمتع بدعم حكومي واضح".

وأضاف شقير، أن تخصيص رأس المال في هذه المرحلة يتجه بصورة متزايدة نحو الشركات القادرة على تمويل مشاريع البنية التحتية طويلة الأمد، بعيدًا عن التقلبات قصيرة الأجل في أسعار الوقود، موضحًا أن هذا الاتجاه يحظى بدعم سياسات البنوك المركزية التي تفضل الاستثمارات المرتبطة بالإنتاجية والطاقة النظيفة، إلى جانب النمو المستمر لصناديق الاستثمار المرتبطة بمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية.

وأشار سامر شقير، إلى أن بعض مشغلي المواني التقليدية يواجهون ضغوطًا متزايدة لتمويل عمليات التحديث، وهو ما قد يفتح المجال أمام شراكات جديدة بين القطاعين العام والخاص، أو عمليات استحواذ تقودها شركات تشغيل عالمية تمتلك قدرات مالية وتشغيلية أكبر.

وفيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية، أكد سامر شقير أن المملكة تحتل موقعًا استراتيجيًّا ضمن هذا التحول العالمي بفضل رؤية 2030 والاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، مشيرًا إلى أن ميناء الملك عبد العزيز بالدمام يشغل أكبر أسطول من الشاحنات الكهربائية في الشرق الأوسط بواقع 80 شاحنة، ضمن عقود استثمارية تصل قيمتها إلى نحو 7 مليارات ريال مع الشركة السعودية العالمية للمواني.

وأوضح شقير، أن هذه المبادرة تسهم في خفض استهلاك الطاقة بنحو 15% وتقليل تكاليف التشغيل والصيانة، كما تتوافق مع مستهدفات مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، بما يعزز كفاءة القطاع اللوجستي السعودي ويخفض بصمته الكربونية.

وأضاف سامر شقير، أن ميناء أوكساجون في نيوم يمثل نموذجًا عالميًّا للمواني المستقبلية، حيث يجري تطويره كمرفق كهربائي بالكامل يعتمد على الطاقة الشمسية والبطاريات وتقنيات استعادة الطاقة من الرافعات، مع استهداف التشغيل المؤتمت بالكامل، مشيرًا إلى أن حجم الاستثمارات في المشروع يتجاوز ملياري دولار، ويجري تطويره ليكون منصة لوجستية متعددة الوسائط تربط أوروبا والخليج، مع إمكانات كبيرة للتوسع في الطاقة الخضراء والهيدروجين.

وأشار شقير، إلى استمرار مواني دبي العالمية في توسيع أسطول المركبات الكهربائية في ميناء جبل علي، إلى جانب تسارع الاستثمارات الخليجية في الطاقة الشاطئية والرقمنة، وهو ما يعزز جاذبية المنطقة لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاعات اللوجستيات والطاقة والتصنيع المتقدم.

وقال سامر شقير: "السعودية لا تكتفي بمواكبة الاتجاه العالمي، بل تبني أصولًا جديدة من الصفر بمعايير كهربائية ورقمية، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية في جذب رؤوس الأموال التي تبحث عن نمو هيكلي مرتبط برؤية 2030، تخصيص رأس المال هنا يجب أن يركز على التكامل بين المواني والطاقة المتجددة والتصنيع، لا على الأصول التقليدية فقط".

وأكد سامر شقير، أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار تدفق رؤوس الأموال نحو مشغلي المواني القادرين على تمويل التحول الكهربائي، وإلى موردي المعدات الكهربائية، ومطوري حلول الشبكات الدقيقة والبطاريات، مشيرًا إلى أن الشركات المرتبطة باللوجستيات النظيفة والتكنولوجيا الصناعية قد تستفيد من إعادة تقييم إيجابية في أسواق الأسهم إذا استمرت التشريعات البيئية في التشدد.

وأضاف شقير، أن السندات الخضراء المرتبطة بمشروعات المواني تشهد طلبًا متزايدًا من الصناديق السيادية ومديري الأصول، بما يعكس تنامي الاهتمام العالمي بتمويل مشاريع البنية التحتية المستدامة.

وأوضح سامر شقير، أن المخاطر لا تزال قائمة، وتشمل محدودية القدرة الاستيعابية للشبكات الكهربائية في بعض المواني، وارتفاع تكاليف التحديث، إضافة إلى احتمالات تباطؤ التجارة العالمية وتأثيرها على سرعة تحقيق العوائد الاستثمارية، فضلًا عن أن إزالة الكربون من السفن نفسها لا تزال تسير بوتيرة أبطأ، وهو ما يجعل تحقيق الفوائد البيئية الكاملة مرتبطًا أيضًا بمزيج الطاقة المستخدم في الشبكات الكهربائية.

وقال سامر شقير: "المستثمر الناجح في هذه الدورة لن يركز فقط على معدات الميناء، بل على النظام البيئي بأكمله: الطاقة، والتخزين، والبرمجيات، والتمويل، المخاطر موجودة، لكن الاتجاه الهيكلي نحو الكهرباء في البنية التحتية اللوجستية أصبح واضحًا بما يكفي لتبرير تخصيص استراتيجي طويل الأجل".

واختتم سامر شقير تصريحاته بالتأكيد على أن الضغوط التنظيمية المستمرة، إلى جانب الانخفاض المتواصل في تكاليف التكنولوجيا، ستدفع إلى تسارع كهربة المواني خلال السنوات الخمس المقبلة، خصوصًا في آسيا وأوروبا ومنطقة الخليج، وهو ما يخلق فرصًا واسعة أمام المؤسسات السيادية ومديري الأصول الخاصة للاستثمار في مشاريع البنية التحتية المشتركة، ويدعم نمو قطاعات الطاقة النظيفة واللوجستيات الرقمية.

وأضاف شقير، أن هذا التحول يتماشى بصورة مباشرة مع أهداف المملكة ودول الخليج في تنويع الاقتصاد وتعزيز مكانتها كمراكز لوجستية عالمية، مؤكدًا أن الاستثمار الذي يجمع بين كهربة المواني والطاقة المتجددة والأتمتة يمتلك القدرة على تحقيق عوائد مستدامة قائمة على رفع الإنتاجية وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد.

وأشار سامر شقير، إلى أن القراءة المؤسسية تشير إلى استمرار تدفق رأس المال نحو الأصول التي تجمع بين الاستقرار التشغيلي والمساهمة في التحول الطاقي، مؤكدًا أن هذا الاتجاه لا يمثل مجرد استجابة للوائح البيئية، بل يعكس إعادة تشكيل شاملة لهيكل التكاليف والقدرة التنافسية في التجارة العالمية على المدى الطويل.