سامر شقير: أسواق الجبال الفاخرة تدخل مرحلة جديدة من انتقائية رأس المال
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن تراجع أحجام التداول في أسواق الوجهات الجبلية الفاخرة خلال 2026 لا ينبغي قراءته باعتباره انكسارًا للطلب على الرفاهية، بل بوصفه مرحلة جديدة من انتقائية رأس المال، موضحًا أن «ما يحدث في أسواق الندرة الجبلية أقرب إلى فلتر اختيار منه إلى دورة انهيار: رأس المال لا يغادر الفئة، بل يعيد توزيع نفسه نحو الأصول التي تجمع موقعًا غير قابل للتكرار وعلامة يصعب هندستها في جدول بيانات».
وأضاف شقير أن تجربة آسبن تقدم نموذجًا مهمًا للمستثمر المؤسسي، لأن قيمة الوجهة لم تعد مرتبطة بالعقار أو التزلج منفردين، وإنما بمنظومة متكاملة تجمع السياحة والعقار والضيافة والثقافة والطلب المتكرر.
آسبن تدخل مرحلة انتقائية
شهدت آسبن في 2025 دورة استثنائية، تجاوز خلالها عدد الزوار 1.1 مليون، وبلغ الإنفاق السياحي المباشر 1.7 مليار دولار، فيما وصل الأثر الاقتصادي الإجمالي إلى نحو ملياري دولار ودعم قطاع الزوار أكثر من 15 ألف وظيفة.
وفي العقارات، بلغ وسيط سعر المنزل المستقل 17.5 مليون دولار، بزيادة 31%، بينما وصل إجمالي حجم المبيعات العقارية إلى نحو 2.51 مليار دولار.
لكن النصف الأول من 2026 أعاد إدخال عامل الانتقائية إلى السوق، وانخفض حجم المبيعات في آسبن وسنوماس بنحو 39%، فيما تراجع عدد الوحدات المباعة 34%، وفي آسبن وحدها هبط حجم التداول بالدولار 43%، مع انخفاض عدد الصفقات التي تتجاوز 10 ملايين دولار و20 مليون دولار.
ولا تشير هذه الأرقام بالضرورة إلى انهيار سعري، بقدر ما تعكس تراجع السيولة بعد سنة قياسية، في سوق يعتمد بدرجة كبيرة على عدد محدود من المشترين أصحاب الثروات المرتفعة.
وأشار سامر شقير إلى أن «المستثمر المؤسسي يخطئ إذا قرأ تراجع الحجم بعد سنة استثنائية بوصفه إشارة هيكلية على انكسار الطلب الفاخر»، لافتًا إلى أن رأس المال في هذه الأسواق أصبح أكثر انتقائية تجاه الموقع والهوية والندرة.
السياحة تتحول إلى أصل اقتصادي
لا تكمن قوة آسبن في العقار وحده، فقد سجلت كولورادو في 2025 إنفاقًا سياحيًّا بلغ 29.2 مليار دولار، مع نحو 96.8 مليون زيارة، بينما أظهرت بيانات آسبن أن متوسط عدد الرحلات التي قام بها الزائر إلى الوجهة خلال حياته بلغ 12.9 رحلة.
وتكشف هذه الأرقام عن نموذج مختلف للاقتصاد السياحي؛ فالزائر لا يشتري إقامة واحدة، وإنما يدخل في علاقة طويلة الأجل مع الوجهة تشمل المطاعم والتجارب الثقافية والترفيه والتسوق والعقار.
لكن ارتفاع قيمة الأصل السياحي يخلق في المقابل ضغوطًا على الإسكان وتكلفة العمالة، وفي المنتجعات فائقة الثراء، يصبح توفير السكن للعاملين والحفاظ على القدرة التشغيلية جزءًا من حماية العائد الاستثماري للفنادق والمطاعم والتجزئة، وليس مجرد ملف اجتماعي.
الندرة بين أسعار الفائدة والمناخ
وأوضح سامر شقير، أن أسواق المنتجعات الجبلية أصبحت أكثر حساسية لثلاثة متغيرات: تكلفة الفرصة في الأصول المالية، وتقلب المواسم المناخية، وتركيز الثروة لدى عدد محدود من المشترين.
وقال شقير: «الخطأ الشائع هو تمويل أصل سكني فاخر بعائد فندقي، أو تمويل علامة ثقافية بعائد تطوير عقاري كثيف، المستثمر الذي يخلط الطبقتين يكتشف متأخرًا أن أحدهما يلتهم الآخر».
وتزداد أهمية العامل المناخي مع تراجع تساقط الثلوج في بعض مواسم جبال روكي، بما يؤكد أن الطقس لم يعد مجرد متغير تشغيلي، بل أصبح عنصرًا ينبغي إدخاله في نماذج التدفقات النقدية وتقييم المخاطر.
من آسبن إلى السياحة الخليجية
تمتد أهمية تجربة آسبن إلى مشاريع السياحة الفاخرة في السعودية ودول الخليج، حيث يجري استثمار واسع في الوجهات الطبيعية والثقافية والضيافة والعقار.
ويبرز هنا اختلاف جوهري: المطلوب ليس استنساخ نموذج جبال روكي، وإنما نقل منطق الندرة المنضبطة إلى الوجهات الجديدة، عبر التحكم في الطاقة الاستيعابية، والحفاظ على الهوية الثقافية، وربط الفنادق بالعقار والتجارب والخدمات.
وفي السعودية، تتيح مشاريع مثل العلا والبحر الأحمر والسودة وتروجينا اختبار هذا النموذج على نطاق أكبر، لكن نجاحها طويل الأجل لن يقاس فقط بعدد الغرف أو الزوار، وإنما بقدرة الوجهة على خلق طلب متكرر والحفاظ على جودة التجربة بعد انتهاء مرحلة الإنفاق الرأسمالي الأولية.
وأكد سامر شقير أن «الوجهات الجديدة تُموَّل اليوم كبنية تحتية وطنية، لكن قيمتها بعد عشر سنوات ستُقاس بقدرتها على إنتاج طلب متكرر من دون دعم تسويقي دائم»، مشيرًا إلى أن ذلك يتطلب الاستثمار في الحوكمة والثقافة وإسكان التشغيل بالقدر نفسه الذي يُستثمر في الفنادق والبنية التحتية.
اختبار جديد لرأس المال
تتركز الفرص أمام المستثمرين المؤسساتيين في تشغيل الفنادق الفاخرة، والعقار السكني المخدوم، والنقل والخدمات المساندة، والتجزئة والتجارب الثقافية والاقتصاد الإبداعي.
في المقابل، تشمل المخاطر تقلبات المناخ، وتركيز المشترين، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتشابه المنتجات الفاخرة بين الوجهات العالمية.
واختتم سامر شقير بأن «رأس المال المؤسسي سيدفع مقابل الندرة الحقيقية، موقع، تنظيم، وثقافة حية، كل ما عدا ذلك يتحول مع الوقت إلى غرفة فندقية أخرى في سوق عالمي مزدحم».

