سامر شقير: نقطة تحول الرقائق الصينية تُعيد تسعير سلاسل الإمداد وتخصيص رأس المال عالميًّا
أكد رائد الاستثمار سامر شقير، أن صناعة أشباه الموصلات في الصين دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد، مدفوعة بالطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي والدعم الحكومي المتراكم منذ إطلاق خطة صنع في الصين 2025، مشيرًا إلى أن التحول لم يعد يتعلق بقدرة الصين على بناء صناعة رقائق، وإنما بتحديد الحلقات التي أصبحت قابلة للاستثمار وتلك التي لا تزال مرتبطة بقيود المعدات والتكنولوجيا والعقوبات.
وأوضح سامر شقير، أن الصين كانت في 2015 تغطي نحو 85% من احتياجاتها من الرقائق عبر الواردات الأجنبية، وكانت تنفق على استيراد أشباه الموصلات أكثر مما تنفق على النفط، بينما تشير تقديرات حديثة إلى أن معدل الاكتفاء الذاتي من حيث حجم الإنتاج اقترب من 70%، مع استمرار فجوة كبيرة في الرقائق المتقدمة عند 7 نانومتر فما دون.
وقال سامر شقير: إن الطرح العام الأولي لشركة تشانغشين ميموري تكنولوجيز، المعروفة باسم CXMT، في يوليو 2026 يمثل محطة مهمة في انتقال تمويل صناعة الرقائق الصينية من الاعتماد على التمويل السيادي إلى الاستفادة من أسواق الأسهم، وجمعت الشركة نحو 57.92 مليار يوان، ما يعادل نحو 8.6 مليار دولار، وقفز سهمها بنحو 466% في يوم الإدراج، ليصل سعره إلى 49 يوانًا مقارنة بسعر طرح بلغ 8.66 يوان، وترتفع القيمة السوقية إلى نحو 3.3 تريليون يوان.
وأضاف سامر شقير، أن هذا الصعود يعكس حجم الطلب الاستثماري على الشركات المرتبطة بالسيادة التكنولوجية، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر تقييمية، خصوصًا أن نسبة الأسهم المتاحة للتداول الحر بعد الإدراج لم تتجاوز نحو 7%، بينما تجاوزت تغطية الطرح مئتي مرة وفق تقارير السوق.
وأكد سامر شقير، أن القراءة الاستثمارية الأهم تتمثل في التمييز بين السيادة الصناعية والسيادة التكنولوجية، قائلًا: "السيادة الصناعية تقاس بالقدرة على تشغيل المصانع وتأمين طلب محلي مضمون، بينما السيادة التكنولوجية تقاس بالقدرة على إنتاج عقد تنافسية بعوائد إنتاجية مستقرة من دون معدات محظورة، الخلط بين المقياسين قد ينتج مبالغات في تقييم الأسهم المحلية، وفي الوقت نفسه يقلل من أثر الإحلال الصيني على هوامش الشركات الأجنبية المعتمدة على السوق الصينية".
وأشار شقير، إلى أن الصندوق الوطني للاستثمار في صناعة الدوائر المتكاملة، المعروف بالصندوق الكبير، دخل ثلاث موجات تمويل، بلغت الثالثة نحو 344 مليار يوان في 2024، إلا أن التحول الأحدث يتمثل في نقل جزء من عبء تمويل الصناعة إلى أسواق الأسهم، بحيث تصبح الاكتتابات العامة أداة من أدوات السياسة الصناعية وليست مجرد وسيلة لتوفير السيولة أو التخارج.
وأوضح سامر شقير، أن النتائج التشغيلية لشركة CXMT تفسر جانبًا من الحماس حولها، حيث أعلنت الشركة إيرادات للربع الأول من 2026 بلغت 50.8 مليار يوان، بنمو يتجاوز سبعة أضعاف على أساس سنوي، مع تحولها إلى ربح تشغيلي بعد تسجيل خسارة في الفترة المقابلة، كما بلغت حصتها من سوق DRAM العالمية نحو 7.67% في 2025 وفقًا لنشرة الاكتتاب، فيما تشير تقديرات إلى إمكانية تغطيتها نحو 50% من الطلب الصيني على DRAM ونحو 40% من طلب HBM بحلول 2028.
ويرى شقير أن الفجوة التكنولوجية مع رواد صناعة الذاكرة العالمية لا تزال كبيرة، وقدرها بما بين جيلين وثلاثة أجيال، مع صعوبة تضييقها بسرعة في ظل قيود المعدات.
وأوضح شقير أن العقوبات على معدات EUV لم توقف الاستثمار الصيني في أشباه الموصلات، وإنما دفعت الصناعة إلى الاعتماد بصورة أكبر على تقنيات multipatterning باستخدام أجهزة DUV وتطوير بدائل محلية لا تزال غير مكتملة، وتشير تقديرات إلى تراجع فجوة المعروض المحلي من رقائق 7 نانومتر فما دون من 92% في 2025 إلى 34% في 2035، مع نمو المعروض بمعدل سنوي مركب يبلغ 46% مقابل نمو الطلب بنسبة 17%.
وقال شقير: إن هذه الأرقام تبقى اتجاهات وليست يقينًا، لأن الاختناقات الرئيسية لا تزال تتمثل في آلات التصوير الضوئي والمواد الكيميائية الدقيقة وبرمجيات التصميم الإلكتروني.
وفيما يتعلق بالخليج والسعودية، أكد شقير أن التجربة الصينية تهم صناديق الثروة السيادية لأنها تعيد تعريف أمن الحوسبة، وليس لأنها تعني ضرورة استنساخ نموذج بناء المسابك المتقدمة.
وأوضح شقير، أن المملكة تمتلك عناصر استراتيجية تشمل الطاقة منخفضة التكلفة نسبيًّا، والموقع الجغرافي، والطلب السيادي على مراكز البيانات، وهي حلقات قد تكون أكثر قدرة على التقاط القيمة من محاولة منافسة TSMC مباشرة في العقد المتناهية الصغر.
وقال شقير: "الاستثمار في السعودية ضمن هذا الإطار لا يعني ملاحقة أسهم شركات الرقائق الصينية، بل بناء محفظة حول بنية تحتية للحوسبة، وشراكات توريد طويلة الأجل مع منتجي الرقائق الموثوقين، وقدرات تصميم fabless مرتبطة بالدفاع والمدن الذكية والمركبات، حيث تكون القيمة في الملكية الفكرية وليس في خط الإنتاج".
وأشار إلى أن السوق السعودية يمكن أن تستفيد من نمو مراكز البيانات عبر شركات الخدمات والتبريد والطاقة والبنية التحتية الرقمية، باعتبارها حلقات قد تكون أقرب إلى الربحية من بناء المسابك في هذه المرحلة.
وأكد سامر شقير أن المخاطر الرئيسية تشمل القيود الجيوسياسية والتكنولوجية، وتحديات العائد الإنتاجي في العقد المتقدمة، ومخاطر التقييم المرتفعة نتيجة محدودية الأسهم الحرة، إضافة إلى الطبيعة الدورية لصناعة الذاكرة واحتمال تحول ارتفاع الأسعار الحالي إلى فائض في الطاقة الإنتاجية إذا تباطأ طلب الذكاء الاصطناعي.
واختتم سامر شقير قائلًا: "القيمة طويلة الأجل لا تخلق عندما يتحول الهدف الصناعي إلى مبرر لأي تقييم، وإنما عندما يتحول العميل الكبير والدعم الحكومي إلى إنتاجية قابلة للقياس وتدفق نقدي حر، المستثمر الذي يتعامل مع نقطة التحول الصينية بوصفها نهاية للهيمنة التايوانية والأمريكية يتجاهل بنية الاحتكار التقني في EUV والبرمجيات، والمستثمر الذي يراها مجرد فقاعة اكتتاب يتجاهل أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم بنى قدرة إنتاج موازية مدعومة بأضخم سوق داخلية للذكاء الاصطناعي".













