الأربعاء 26 أغسطس 2026 11:27 مـ 12 ربيع أول 1448 هـ
×

سامر شقير: مواجهة دروكنميلر وبيسنت تُعيد تسعير المخاطر السيادية في أكبر سوق سندات بالعالم

الأربعاء 26 أغسطس 2026 08:20 مـ 12 ربيع أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أن المواجهة العلنية بين المستثمر ستانلي دروكنميلر ووزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت حول عوائد سندات الخزانة الأمريكية تعكس تحولا أعمق في الأسواق، يتمثل في إعادة تسعير مخاطر الدين والسياسة المالية وتكلفة رأس المال، وليس مجرد خلاف بين مستثمر ووزير خزانة.

وأوضح سامر شقير، أن إعلان وزارة الخزانة الأمريكية في 19 أغسطس عن مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل من ملياري دولار إلى أربعة مليارات دولار على الأقل لكل عملية، أعاد النقاش حول قدرة الحكومة على التأثير في عوائد الآجال الطويلة، خصوصًا في وقت تجاوز فيه إجمالي الدين العام الأمريكي 40 تريليون دولار.

وقال سامر شقير: إن ما يحدث الآن ليس أزمة سيولة بقدر ما هو فاتورة سياسات، المستثمر المؤسسي يفرق بسرعة بين تعطل آليات التداول وبين رفض السوق تمويل عجز هيكلي بأسعار منخفضة.

عوائد السندات تحت اختبار السوق

ارتفع عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ سنوات طويلة، فيما تحرك عائد السندات لأجل 10 سنوات قرب 4.6 إلى 4.7 بالمئة، وتكتسب هذه المستويات أهمية تتجاوز سوق الخزانة، لأن العائد طويل الأجل يمثل مرجعًا لتسعير الرهون العقارية وتمويل الشركات والمشروعات والبنية التحتية، كما يدخل مباشرة في نماذج تقييم الأصول حول العالم.

وأعلنت الخزانة أن عمليات إعادة الشراء الموسعة تستهدف سندات في نطاق 10 إلى 30 عامًا، خلال الفترة الممتدة من 9 سبتمبر إلى 4 نوفمبر، إلا أن التراجع الأولي في العوائد لم يكن كافيًا لتغيير اتجاه السوق بصورة مستدامة، وهو ما أعاد الجدل حول مدى قدرة هذه العمليات على التأثير في منحنى العائد إذا ظلت العوامل الأساسية، وعلى رأسها العجز والإصدارات المرتفعة، قائمة.

ويرى سامر شقير، أن المستثمرين لا ينظرون إلى حجم عمليات إعادة الشراء فقط، وإنما إلى الرسالة التي تحملها السياسة، قائلًا: إن الأسواق المؤسسية لا تعاقب التدخل بحد ذاته، لكنها تعاقب الغموض في الهدف، عندما تصبح إدارة العائد هدفا بحد ذاتها، يبدأ المستثمرون في اختبار حدود قدرة الحكومة على الدفاع عن هذا الهدف.

دروكنميلر وبيسنت واختبار مصداقية الخزانة

أعاد انتقاد ستانلي دروكنميلر لسياسة الخزانة النقاش حول الدور الذي يجب أن يلعبه السوق في تحديد تكلفة الاقتراض الحكومي، ويرى دروكنميلر أن عوائد السندات طويلة الأجل ينبغي أن تعكس العجز والتضخم والعرض والطلب، وأن محاولة خفضها بصورة مصطنعة قد تؤجل معالجة المشكلة المالية بدلا من حلها.

وتزداد أهمية المواجهة بسبب العلاقة المهنية التاريخية بين دروكنميلر وبيسنت، إذ عمل بيسنت في السابق ضمن صناديق تحوط ارتبطت بدروكنميلر وجورج سوروس.

ويعتبر سامر شقير أن جوهر الخلاف ليس شخصيا، وإنما يتعلق بحوكمة السياسة المالية، قائلًا: إن كلما أصبحت عمليات شراء السندات أداة متكررة للتعامل مع ارتفاع العوائد، يتحول اختبار السوق من سؤال حول التضخم والعجز إلى سؤال حول مدى استعداد الخزانة للدفاع عن مستوى معين من الأسعار.

انعكاسات مباشرة على تخصيص رأس المال

ارتفاع العوائد الأمريكية يعيد ترتيب تقييم الأصول العالمية، لأن سندات الخزانة تمثل المرجع الأساسي لتسعير كثير من أدوات الدخل الثابت، وكل زيادة مستمرة في العائد الخالي من مخاطر الائتمان ترفع معدل الخصم المستخدم في تقييم الأسهم والعقارات والبنية التحتية والمشروعات طويلة الأجل.

وبالنسبة للمستثمرين المؤسسيين، يعني ذلك ضرورة إعادة النظر في مخاطر المدة وعدم افتراض عودة سريعة إلى بيئة التمويل منخفض التكلفة التي سادت خلال فترات سابقة.

وقال سامر شقير: إن المستثمر المؤسسي في 2026 يعيد تسعير ثلاثة عناصر في الوقت نفسه: علاوة الأجل في الولايات المتحدة، واستقلالية إشارة السوق عن التدخل التنفيذي، وتوزيع المخاطر بين الدولار والذهب والائتمان السيادي خارج الولايات المتحدة.

ويرى شقير أن المحافظ التي تعتمد بصورة كبيرة على انخفاض العوائد طويلة الأجل قد تواجه فترة أطول من إعادة التقييم، بينما قد تستفيد الأدوات قصيرة ومتوسطة الأجل من ارتفاع العائد مع الحفاظ على مرونة أكبر في إدارة السيولة.

التأثير على السعودية والاقتصاد الخليجي

تنعكس حركة عوائد الخزانة الأمريكية مباشرة على أسواق الخليج، خصوصا مع ارتباط العملات الخليجية بالدولار واعتماد عدد من الشركات والمشروعات الكبرى على التمويل المقوم بالعملة الأمريكية.

ويؤدي ارتفاع العوائد طويلة الأجل إلى زيادة تكلفة تمويل مشروعات البنية التحتية والسياحة والصناعة واللوجستيات، بما في ذلك المشروعات المرتبطة بأهداف رؤية 2030، كما يرفع معدلات الخصم المستخدمة في تقييم الاستثمارات طويلة الأجل.

لكن سامر شقير يرى أن التأثير لا يعني تراجع جاذبية الاقتصاد السعودي، بل يفرض انتقائية أكبر في تخصيص رأس المال، قائلًا: إن المستثمرين سيمنحون علاوة للمشروعات القادرة على تحقيق تدفقات نقدية قوية ومستقرة، والعقود طويلة الأجل، والقطاعات التي تستطيع تمرير ارتفاع تكاليف التمويل إلى الإيرادات.

وتشمل هذه القطاعات الطاقة والخدمات اللوجستية والبنية التحتية المتعاقد عليها وبعض الأنشطة الصناعية، في حين تواجه العقارات مرتفعة الرافعة والشركات التي تعتمد على إعادة التمويل المستمر ضغوطًا أكبر على التقييمات.

المخاطر والفرص

تكمن المخاطر الرئيسية في توسع عمليات إعادة الشراء كلما ارتفعت العوائد، بما قد يخلق انطباعا بأن الخزانة تدافع عن مستوى معين للسوق، كما أن الاعتماد المتزايد على أدوات الدين قصيرة الأجل لتمويل الاحتياجات الحكومية يمكن أن يزيد مخاطر إعادة التمويل في حال تغيرت ظروف السيولة.

وفي أسواق الأسهم، قد يؤدي انخفاض العوائد بصورة مؤقتة إلى دعم التقييمات، خصوصًا في قطاعات النمو والذكاء الاصطناعي كثيفة الإنفاق الرأسمالي، لكن عودة العوائد إلى الارتفاع بعد انتهاء أثر التدخل يمكن أن تضغط على التقييمات من جديد من خلال ارتفاع معدلات الخصم.

أما الفرص فتظهر لدى المستثمرين القادرين على استغلال إعادة التسعير بدلًا من مقاومتها، من خلال الاحتفاظ بالسيولة، وإدارة المدة، والتركيز على الائتمان عالي الجودة والأصول التي تحقق عائدًا حقيقيًّا مستقلًا عن استمرار التمويل الرخيص.

النظرة الاستراتيجية

يرى سامر شقير أن السيناريو الأكثر أهمية خلال الفترة المقبلة يتمثل في قدرة السوق على تحديد ما إذا كانت عمليات إعادة الشراء أداة لإدارة السيولة أم محاولة مستمرة للتأثير في تكلفة الاقتراض الحكومي، قائلًا: إن الفرصة الحقيقية للمستثمر طويل الأجل تكمن في بناء محفظة تستطيع التعامل مع عوائد مرتفعة لفترة أطول، بدلًا من بناء استراتيجية كاملة على افتراض عودة سريعة إلى التمويل الرخيص.

وأضاف شقير، أن استمرار العوائد طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة سيجعل الانضباط المالي الأمريكي عاملًا أكثر أهمية في قرارات الاستثمار العالمية، فيما سيزداد اهتمام الصناديق السيادية بتنويع محافظها نحو أصول حقيقية ومشروعات ذات تدفقات نقدية مستقرة.

واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن "رأس المال المؤسسي سيكافئ المحافظ التي تتعامل مع عائد الخزانة بوصفه سعرًا مكتشفًا لا هدفًا سياسيًّا، وتربط الاستثمار في السعودية والاقتصاد الخليجي بقدرة المشاريع على توليد عائد حقيقي فوق كلفة الدولار، لا على افتراض عودة العوائد الأمريكية إلى الانخفاض بأمر إداري.

وأشار إلى أن مواجهة دروكنميلر وبيسنت تكشف في جوهرها عن معركة أوسع حول من يحدد السعر الحقيقي للمال في أكبر سوق سندات في العالم، مؤكدًا أن الأسواق ستظل أكثر حساسية خلال 2026 وما بعدها للدين والعجز وعلاوة الأجل ومصداقية السياسة المالية، وهي عوامل ستصبح جزءًا أساسيًّا من قرارات تخصيص رأس المال العالمي.

موضوعات متعلقة