الأحد 23 أغسطس 2026 11:00 مـ 9 ربيع أول 1448 هـ
×

سامر شقير: اتساع الرقابة السياسية في الصين يُعيد تسعير المخاطر أمام المستثمر المؤسسي

الأحد 23 أغسطس 2026 05:20 مـ 9 ربيع أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

يرى رائد الاستثمار سامر شقير، أن تشديد الرقابة والانضباط المفروض على أعضاء الحزب الشيوعي الصيني والعاملين في القطاع العام، بما يشمل جوانب من الحياة الشخصية والعلاقات الأسرية والسفر والارتباطات الخارجية، يمثل تطورًا يتجاوز البعد السياسي والاجتماعي، ليصبح عاملًا إضافيًّا في حسابات المستثمرين بشأن المخاطر السياسية والقدرة على التنبؤ ببيئة الأعمال في الصين.

وقال سامر شقير: إن اتساع نطاق الرقابة يعكس أولوية واضحة للاستقرار السياسي والولاء المؤسسي، لكنه في الوقت نفسه يفرض على المستثمرين إعادة تقييم العلاقة بين الحوكمة السياسية والمرونة الاقتصادية، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على المواهب والابتكار وحركة الكفاءات.

وقال سامر شقير: "المستثمر المؤسسي لا يقيم فقط العائد المتوقع، بل يقيم أيضًا درجة التحكم في المخاطر السياسية، عندما تمتد قواعد الانضباط إلى جوانب متزايدة من الحياة الشخصية للكوادر، فإن المستثمر يبدأ في إعادة تقييم مدى قابلية البيئة الاقتصادية للتنبؤ، وهذا ينعكس في النهاية على تكلفة رأس المال".

وأوضح سامر شقير، أن الصين دخلت خلال السنوات الماضية مرحلة أكثر تشددًا في إدارة العلاقة بين الحزب والدولة والمجتمع والقطاع الخاص، مع توسيع أدوات الرقابة والامتثال ومكافحة الفساد وحماية الأمن القومي، وأن التطورات الأخيرة المتعلقة بالحياة الشخصية لبعض المسؤولين والكوادر يجب قراءتها ضمن هذا الاتجاه الأوسع، وليس باعتبارها إجراءات منفصلة عن السياسة الاقتصادية.

وأضاف سامر شقير: "القضية الاستثمارية ليست في قاعدة اجتماعية منفردة، وإنما في الاتجاه العام، عندما تصبح الحدود بين السلوك السياسي والمهني والشخصي أقل وضوحًا بالنسبة إلى الكوادر، ترتفع أهمية المخاطر غير المالية في نموذج المستثمر، لأن المستثمر يحتاج إلى معرفة القواعد التي تحكم القرارات التي تؤثر في مشروعاته وأصوله".

وأشار سامر شقير، إلى أن ارتفاع علاوة المخاطر لا يعني بالضرورة خروج المستثمرين من الصين، لكنه قد يؤدي إلى إعادة توزيع رأس المال داخل السوق الصينية وخارجها، وزيادة الانتقائية في اختيار القطاعات والمشروعات والشركاء.

وقال شقير: "المستثمر قد يدخل السوق الصينية، لكنه أصبح أكثر حرصًا في تحديد حجم رأس المال ونوع النشاط ودرجة الاعتماد على الأصول المحلية، لذلك يجب التفريق بين وجود المستثمر وبين استعداده لتخصيص رأس مال طويل الأجل لا يمكن نقله بسهولة".

ويرى سامر شقير، أن قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سيكون من أكثر القطاعات حساسية لهذه التحولات، بسبب اعتماده على حرية حركة الكفاءات وتبادل المعرفة والتعاون بين الشركات والجامعات والقطاع الحكومي والقطاع الخاص، وأي زيادة في القيود التي تؤثر على هذه الحركة يمكن أن تنعكس على قدرة الشركات الصينية على جذب المواهب والاحتفاظ بها.

كما أن التصنيع وسلاسل الإمداد العالمية قد تتأثر بصورة غير مباشرة، في ظل توجه الشركات متعددة الجنسيات منذ سنوات إلى تنويع قواعد الإنتاج ضمن استراتيجية الصين زائد واحد، من خلال توسيع وجودها في الهند وفيتنام وجنوب شرق آسيا وغيرها من الأسواق.

وقال سامر شقير: إن العامل السياسي أصبح جزءًا من نموذج تقييم سلسلة التوريد إلى جانب تكلفة العمالة والطاقة والنقل، موضحًا أن الشركات تبحث عن بيئات يمكن فيها توقع القرارات التنظيمية وإدارة الكفاءات والتعامل مع المخاطر الجيوسياسية بصورة أكثر وضوحًا.

وأضاف شقير: "رأس المال لا يتحرك عادة من سوق إلى سوق في اتجاه واحد، ما يحدث هو إعادة توزيع تدريجية للوزن الاستثماري، عندما ترتفع المخاطر السياسية غير القابلة للقياس، تصبح الأسواق التي توفر وضوحًا أكبر في القواعد واستقرارًا مؤسسيًّا أكثر قدرة على جذب رأس المال الهامشي".

وفي هذا السياق، يرى سامر شقير أن الاقتصادات الخليجية، وفي مقدمتها السعودية، تمتلك فرصة للاستفادة من إعادة توزيع جزء من الاستثمارات العالمية، خصوصًا في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والسياحة والخدمات المالية.

وقال شقير: "السعودية لا تحتاج إلى منافسة الصين في الحجم الصناعي حتى تستفيد من إعادة توزيع رأس المال، الفرصة تكمن في تقديم نموذج مختلف يجمع بين حجم المشاريع، ووضوح الأولويات الاستثمارية، وتطوير البنية التحتية، والقدرة على استضافة رأس المال طويل الأجل".

وأكد شقير، أن الصناديق السيادية ومديري الأصول والمكاتب العائلية في الخليج أمام فرصة لإعادة موازنة المحافظ، مع عدم التعامل مع التحولات الصينية باعتبارها سببًا كافيًا للتخارج الكامل، وإنما باعتبارها سببًا لرفع معايير العائد المطلوب مقابل المخاطر السياسية والتنظيمية.

وأشار شقير، إلى أن الصين لا تزال تمتلك قاعدة صناعية ضخمة وسوقًا استهلاكية واسعة وقدرات قوية في التكنولوجيا والطاقة والمركبات الكهربائية وسلاسل الإمداد، ولذلك فإن استراتيجية الاستثمار الأكثر واقعية تتمثل في الانتقائية والتنويع، وليس في تجاهل السوق الصينية.

وحذر سامر شقير في الوقت نفسه من أن ارتفاع الرقابة السياسية قد يؤثر على الابتكار إذا أصبح العاملون والمديرون أكثر تحفظًا في اتخاذ القرارات أو تحمل المخاطر، خصوصًا في القطاعات التي تتطلب سرعة في التجربة والاستثمار والبحث والتطوير.

وقال شقير: "الاقتصاد الحديث يحتاج إلى الانضباط، لكنه يحتاج أيضًا إلى مساحة لاتخاذ القرار والابتكار والمبادرة، عندما يصبح الخوف من الخطأ السياسي أعلى من تكلفة الخطأ التجاري، فإن سلوك المدير والمستثمر يتغير، وقد تنعكس هذه التغيرات تدريجيًّا على الإنتاجية والعائد على رأس المال".

ويرى سامر شقير، أن اتجاهات الاستثمار خلال الفترة المقبلة ستتجه نحو زيادة أهمية التنويع الجغرافي، وتقييم المخاطر السياسية إلى جانب المؤشرات المالية التقليدية، ورفع وزن الأسواق التي تستطيع الجمع بين النمو والاستقرار ووضوح القواعد.

واختتم سامر شقير قائلًا: "الاستثمار الناجح في هذه المرحلة يتطلب فهمًا عميقًا للتقاطع بين السياسة والاقتصاد، السياسات التي تبدو داخلية قد تتحول بسرعة إلى عوامل مؤثرة على المواهب والابتكار وتكلفة رأس المال وتدفقات الاستثمار، لذلك فإن أفضل المحافظ ليست التي تراهن ضد الصين أو معها بصورة مطلقة، وإنما التي توزع رأس المال وفقا لقدرة كل سوق على الجمع بين النمو والمرونة وقابلية التنبؤ".

موضوعات متعلقة