سامر شقير: مخاطر البحر الأحمر تفرض اختبارات ضغط جديدة على المحافظ الاستثمارية العالمية
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن الطلب الإيراني من جماعة الحوثيين بالاستعداد لإغلاق بوابة البحر الأحمر في حال تعرض البنية التحتية الإيرانية لضربات أمريكية، أضاف مستوى جديداً من المخاطر الجيوسياسية إلى أسواق الطاقة العالمية التي تواجه بالفعل بيئة شديدة التقلب.
وأوضح شقير أن مضيق باب المندب يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال والسلع الأساسية بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، مشيراً إلى أن أي تعطيل فعلي لحركة الملاحة سيجبر السفن على الالتفاف حول القارة الأفريقية، بما يرفع تكاليف النقل، ويطيل زمن الشحن، ويزيد علاوة المخاطر في أسعار الطاقة والسلع.
وأضاف أن هذا السيناريو يحمل انعكاسات مباشرة على توازن العرض والطلب في أسواق الطاقة، ومعدلات التضخم العالمية، وتدفقات رأس المال المؤسسي، كما يفرض ضغوطاً إضافية على الشركات المستوردة للطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، في الوقت الذي تتابع فيه المملكة العربية السعودية هذه التطورات باهتمام بالغ مع تزايد أهمية مسارات التصدير عبر البحر الأحمر.
وأكد شقير أن صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول أصبحوا مطالبين بتعزيز التعرض الدفاعي لقطاعي الطاقة والسلع، مع تسريع الاستثمارات في مرونة سلاسل الإمداد والتنويع الاقتصادي، مشدداً على أن اختبارات الضغط الجيوسياسي وإعادة تقييم التعرض للممرات البحرية الحيوية أصبحت أولوية استثمارية عاجلة.
تصعيد يعيد تقييم افتراضات الأسواق
وأوضح سامر شقير أن المستثمرين المؤسسيين يواجهون حالياً واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية تعقيداً، مع تداخل التصعيد الإقليمي مع هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
وأضاف شقير أن الحديث عن احتمال إغلاق البحر الأحمر لا يمثل مجرد تهديد عسكري، بل يعكس تحولاً محتملاً في آليات تسعير الطاقة والتجارة الدولية، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في الافتراضات التي بُنيت عليها استراتيجيات تخصيص الأصول خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن هذه التطورات تدفع صناديق التقاعد والثروة السيادية وصناديق التحوط إلى إعادة تقييم قدرة محافظها الاستثمارية على مواجهة سيناريوهات تعطيل الممرات البحرية الاستراتيجية.
المخاطر الجيوسياسية تضغط على الأسواق
وأشار سامر شقير إلى أن هذا التهديد جاء في سياق تصاعد التوترات الإقليمية، بما في ذلك الضربات الأمريكية على أهداف إيرانية، وهو ما يزيد احتمالات استهداف نقاط الاختناق البحرية الحيوية.
وأوضح شقير أن البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثلان شرياناً رئيسياً للتجارة بين آسيا وأوروبا، وأن أي تعطيل واسع النطاق سيضاعف الضغوط التي شهدتها الأسواق خلال الأزمات السابقة.
وأضاف أن المستثمرين يترجمون هذه التطورات إلى ارتفاع في علاوة المخاطر الجيوسياسية داخل أسعار السلع، وزيادة الطلب على أدوات التحوط مثل عقود الخيارات والعقود الآجلة، إلى جانب احتمال تباطؤ بعض قرارات الإنفاق الرأسمالي لدى الشركات الصناعية الأوروبية والآسيوية المعتمدة على هذا الممر التجاري.
انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة
وقال سامر شقير إن أسواق النفط والغاز الطبيعي المسال أصبحت أكثر حساسية تجاه أي تهديد يطال طرق الإمداد القادمة من الشرق الأوسط، موضحاً أن احتمالات تعطيل الملاحة في البحر الأحمر قد تضيف علاوة مخاطر جديدة تدعم أسعار النفط على المدى القريب، خاصة إذا تزامن ذلك مع قيود على مسارات تصدير أخرى.
وأضاف شقير أن أي تصعيد إضافي في هذا الممر يعزز جاذبية التعرض الاستراتيجي لمنتجي الطاقة الموثوقين الذين يمتلكون طاقات إنتاجية فائضة، مع ضرورة التمييز بين الارتفاعات السعرية المؤقتة والتحولات الهيكلية في توازن العرض والطلب.
وأشار في المقابل إلى أن الشركات المستوردة للطاقة في أوروبا وآسيا قد تواجه ارتفاعاً في تكاليف التشغيل، بما يضغط على هوامش الأرباح ويؤثر في أداء القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
سلاسل الإمداد والتضخم تحت الضغط
وأكد سامر شقير أن أي تعطيل لحركة الملاحة في البحر الأحمر سيؤدي إلى إطالة زمن الرحلات البحرية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما سيغذي التضخم العالمي عبر ارتفاع أسعار السلع المستوردة وزيادة تكلفة الطاقة التي تنتقل في النهاية إلى المستهلك.
وأضاف شقير أن هذا السيناريو قد يزيد من تعقيد قرارات البنوك المركزية بشأن السياسة النقدية، خصوصاً إذا استمرت الضغوط التضخمية في وقت تتجه فيه بعض الاقتصادات نحو تخفيف أسعار الفائدة.
وأشار إلى أن الشركات أصبحت مطالبة بإعادة تقييم سياسات المخزون والتوريد، مع تسارع التوجه نحو التصنيع القريب أو ما يعرف بـ"الصداقة في التوريد" لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للمخاطر.
انعكاسات على الاقتصاد السعودي والخليجي
وأوضح سامر شقير أن المملكة العربية السعودية تنظر إلى هذه التطورات بجدية، خاصة مع تزايد حجم الصادرات النفطية عبر موانئ البحر الأحمر خلال الفترة الأخيرة.
وأضاف شقير أن أي تعطيل لحركة الملاحة قد يؤثر على مرونة عمليات التصدير رغم وجود خطوط أنابيب بديلة، كما قد يفرض ضغوطاً إضافية على الاستقرار الإقليمي الذي يمثل أحد أهم عوامل جذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
وأشار في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يوفر دعماً مالياً للموازنة السعودية على المدى القصير، بما يعزز قدرة صناديق الاستثمار على مواصلة تمويل مشاريع رؤية المملكة 2030.
وأضاف شقير أن هذه التطورات تؤكد أهمية تسريع التنويع الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على مسار تصديري واحد، مع تعزيز الاستثمارات في البنية التحتية اللوجستية والصناعات غير النفطية لبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية."
كما لفت إلى أن مشاريع السياحة والتنمية على ساحل البحر الأحمر، وفي مقدمتها نيوم، قد تتأثر بدرجة إدراك المستثمرين للمخاطر الإقليمية، وهو ما يستدعي تعزيز استراتيجيات إدارة المخاطر والتواصل مع المستثمرين.
كيف يستجيب المستثمرون المؤسسيون؟
وأشار سامر شقير إلى أن صناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد ومديري الأصول يواجهون قرارات استثمارية معقدة في ظل هذا المشهد، متوقعاً زيادة الطلب على الاستثمار في قطاعي الطاقة والسلع باعتبارهما أدوات تحوط طبيعية ضد الاضطرابات الجيوسياسية.
وأضاف شقير أن المستثمرين المؤسسيين بحاجة إلى دمج سيناريوهات إغلاق الممرات البحرية بصورة منهجية في نماذج إدارة المخاطر، مع الحفاظ على توازن بين الفرص قصيرة الأجل في قطاع الطاقة والالتزام طويل الأجل بالتحول نحو مصادر أكثر استدامة ومرونة في سلاسل الإمداد.
وأوضح أن الأسواق قد تشهد نشاطاً متزايداً في عمليات الاندماج والاستحواذ داخل قطاعات الخدمات اللوجستية البديلة والطاقة المتجددة، بينما تظل الأسهم الدفاعية والسندات الحكومية من أبرز أدوات إدارة التقلبات.
النظرة الاستراتيجية
واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن الأسواق ستراقب خلال الاثني عشر شهراً المقبلة مؤشرات التصعيد أو التهدئة بين الأطراف المعنية، إلى جانب تطورات أسعار الشحن وأحجام التدفقات النفطية عبر المسارات البديلة، موضحاً أن أي إغلاق فعلي للبحر الأحمر سيشكل اختباراً لقدرة الأسواق على استيعاب صدمة جديدة في الإمدادات.
وأضاف شقير أنه على المدى المتوسط، أي خلال 3 إلى 5 سنوات، من المتوقع أن تتسارع الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية خارج نقاط الاختناق التقليدية، مع تعزيز القدرات الإنتاجية المحلية في الدول المستوردة.
أما على المدى الطويل، خلال 10 سنوات، فأوضح أن هذه التطورات قد تسهم في إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية باتجاه مزيد من التكامل الإقليمي والمرونة في مواجهة المخاطر الجيوسياسية.
واختتم قائلاً: "كنت أؤكد دائماً أن الميزة التنافسية الحقيقية للمستثمرين المؤسسيين لن تكمن فقط في توقع الصدمات الجيوسياسية، وإنما في القدرة على التكيف معها وبناء محافظ استثمارية أكثر مرونة واستدامة في عالم تتزايد فيه العلاقة بين الجغرافيا السياسية وسلاسل القيمة العالمية."













