سامر شقير: سباق مراكز البيانات يُعيد توجيه رأس المال من الرقائق إلى شبكات الكهرباء
دخل سباق الذكاء الاصطناعي العالمي مرحلة جديدة لم تعد فيها الرقائق والنماذج البرمجية وحدها المحدد الرئيسي للنمو، بعدما أصبحت الكهرباء، وشبكات النقل، والمحولات، وأنظمة التبريد، والأراضي، والمعادن الحرجة جزءًا أساسياً من معادلة القدرة الحاسوبية.
ومع تسارع استثمارات مراكز البيانات في الولايات المتحدة والصين، وارتفاع المخاوف السياسية من تأثير الأحمال الضخمة للذكاء الاصطناعي على شبكات الكهرباء وأسعار الطاقة، يعاد توجيه جزء متزايد من رأس المال المؤسسي نحو الأصول المادية الواقعة تحت طبقة الذكاء الاصطناعي.
ويرى رائد الاستثمار سامر شقير، أن هذه التحولات تمثل بداية دورة جديدة في تخصيص رأس المال، تنتقل فيها الأفضلية تدريجيًا من الشركات التي تبيع الرقائق والنماذج فقط إلى الشركات القادرة على تأمين الكهرباء، والتوصيل، والتبريد، والقدرة التشغيلية.
وقال شقير: إن المستثمر الذي يقيّم الذكاء الاصطناعي من زاوية الإيرادات وحدها يتجاهل القيد الحقيقي للنمو، لأن «المستثمر الذي يشتري قصة النموذج من دون أن يسعّر تكلفة التوصيل الكهربائي ومدة انتظار المحول وخطر الترخيص المحلي يشتري نصف الأصل فقط».
الذكاء الاصطناعي ينتقل من سباق النماذج إلى سباق الإلكترونات
لم يعد الذكاء الاصطناعي قصة برمجيات خفيفة الأصول. فكل توسع في تدريب النماذج أو تشغيل تطبيقات الاستدلال يترجم إلى طلب إضافي على الكهرباء، ومساحات مراكز البيانات، وشبكات النقل والتوزيع، وأنظمة التبريد، ومعدات الطاقة الاحتياطية.
وتشير تقديرات قطاعية إلى أن مراكز البيانات الأميركية قد ترفع استهلاكها من الكهرباء بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة، في وقت أصبحت فيه بعض الولايات تواجه صعوبة في استيعاب طلبات الربط الجديدة.
هذا التطور يغير طبيعة المخاطرة الاستثمارية، فالمشروع الذي كان يحتاج سابقًا إلى تمويل المبنى والرقائق والخوادم أصبح يحتاج أيضًا إلى ضمانات بشأن مصدر الطاقة، وموعد الاتصال بالشبكة، وقدرة المحولات، والتراخيص المحلية.
ومن هنا، يرى سامر شقير أن «الغيغاواط المتاح» بدأ يصبح مؤشرًا أكثر أهمية من «عدد الرقائق» في تقييم قدرة مشاريع الذكاء الاصطناعي على النمو.
الكهرباء تصبح عنق الزجاجة الجديد
تُظهر الزيادة الكبيرة في استثمارات شركات الحوسبة فائقة النطاق أن الطلب على مراكز البيانات يتقدم بسرعة أكبر من قدرة بعض شبكات الكهرباء على مواكبته.
وتكمن المشكلة في أن إضافة مركز بيانات ضخم ليست عملية يمكن إنجازها بمجرد تركيب الخوادم، المشروع يحتاج إلى خطوط نقل، ومحطات فرعية، ومحولات، وأنظمة تبريد، وربما إلى محطات توليد مخصصة أو عقود طويلة الأجل لشراء الطاقة.
كما أن دورة تصنيع بعض معدات الشبكات أطول بكثير من دورة شراء الخوادم والرقائق، وهو ما يجعل أي تأخير في المحولات أو الربط الكهربائي قادراً على تأجيل تشغيل منشأة كاملة.
وبالنسبة للمستثمر المؤسسي، فإن هذا يعني أن تقييم مركز البيانات لم يعد يعتمد فقط على سعر المتر المربع أو قيمة العقد، وإنما على تكلفة الميغاواط الموصّل وموعد دخوله الخدمة ومعامل استخدامه.
الصين والولايات المتحدة.. ميزة مختلفة في اقتصاد الحوسبة
تتخذ المنافسة الأميركية–الصينية في الذكاء الاصطناعي بعداً مادياً متزايداً.
فالولايات المتحدة تمتلك قاعدة ضخمة من شركات الرقائق والحوسبة السحابية ومراكز البيانات، لكنها تواجه في بعض المناطق قيوداً مرتبطة بالشبكة والتراخيص وارتفاع تكلفة الكهرباء.
أما الصين فتتمتع في بعض المناطق بميزة مختلفة تتمثل في القدرة على التخطيط المركزي ونشر البنية التحتية على نطاق واسع، إلى جانب الاستفادة من مصادر طاقة متجددة منخفضة التكلفة في بعض الأقاليم.
هذا الاختلاف يجعل تكلفة الإلكترون نفسها متغيرًا تنافسيًا في سباق الذكاء الاصطناعي.
ويشير سامر شقير إلى أن الأسواق بدأت تتحول من سؤال «من يملك أفضل نموذج؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: من يستطيع تشغيل أفضل نموذج بأقل تكلفة طاقة وبأعلى درجة من الاستمرارية؟
رأس المال يتحرك إلى الطبقة المادية
تقدر وكالة الطاقة الدولية أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء سيرتفع بقوة حتى عام 2030، بالتزامن مع تدفق تريليونات الدولارات إلى البنية التحتية المرتبطة بالحوسبة.
هذه الأموال لا تتجه كلها إلى شركات الرقائق.
هناك خمس طبقات مرشحة للاستفادة بصورة متزايدة.
الأولى هي التوليد الكهربائي المرن، بما في ذلك الغاز الطبيعي وبعض حلول التوليد داخل الموقع، إضافة إلى الطاقة النووية الصغيرة عندما تصبح أكثر نضجاً تجارياً.
الثانية هي شبكات النقل والتوزيع، خصوصاً المحولات والمحطات الفرعية والكابلات ومعدات الجهد العالي.
الثالثة هي التبريد وإدارة الحرارة، مع ارتفاع كثافة الطاقة داخل الرفوف نتيجة تطور معالجات الذكاء الاصطناعي.
الرابعة هي المعادن الحرجة والبطاريات، خصوصاً مع استمرار تركّز بعض عمليات التكرير والتصنيع في الصين.
والخامسة هي الأمن السيبراني وحوكمة سلاسل التوريد، بعدما أصبحت شبكات الطاقة نفسها جزءاً من البنية التحتية الاستراتيجية للأمن القومي.
وهنا تتغير خريطة الاستثمار: شركات المرافق، ومصنّعو المحولات، ومطورو الطاقة، ومزودو التبريد، ومشغلو الشبكات قد يتحولون إلى مستفيدين غير مباشرين من طفرة الذكاء الاصطناعي.
سامر شقير: المستثمر يشتري «القدرة» لا مجرد الرقائق
يرى سامر شقير أن أحد أكبر أخطاء دورة الذكاء الاصطناعي الحالية هو تقييم الشركات على أساس حجم الطلب المتوقع على الحوسبة، من دون احتساب القيود الفيزيائية التي تحدد إمكانية تلبية هذا الطلب.
ويقول شقير إن المستثمر المؤسسي سيبدأ في التمييز بين شركتين تمتلكان العدد نفسه من الرقائق، لكن إحداهما تملك طاقة مضمونة لسنوات بعقود طويلة الأجل، بينما تعتمد الأخرى على شبكة كهرباء مزدحمة وأسعار جملة متقلبة.
وبهذا المعنى، فإن عقد الكهرباء قد يصبح جزءاً من قيمة مركز البيانات مثلما أصبح عقد شراء الرقائق جزءاً من قيمته.
هذه المعادلة تفسر أيضاً انتقال اهتمام صناديق البنية التحتية والائتمان الخاص إلى مراكز البيانات المرتبطة بعقود طويلة الأجل، لأنها توفر تدفقات نقدية أكثر قابلية للتنبؤ من المشاريع التي تعتمد على طلب مستقبلي غير متعاقد عليه.
السعودية تدخل السباق من بوابة الطاقة
في الخليج، تبدو المعادلة مختلفة نسبياً.
السعودية لا تحاول منافسة الولايات المتحدة والصين فقط في تطوير النماذج، وإنما تراهن على عناصر أخرى تمتلك فيها مزايا نسبية: الطاقة، والأرض، ورأس المال السيادي، والموقع الجغرافي، والقدرة على تنفيذ مشاريع ضخمة ضمن أطر زمنية مركزة.
وتأتي شركة «هيوماين»، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، في قلب هذا التوجه، مع أهداف طموحة لبناء قدرة حوسبية ضخمة داخل المملكة.
كما تتسع شبكة الشراكات مع شركات عالمية في الرقائق والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بما يعكس محاولة بناء منظومة متكاملة تبدأ من الكهرباء ومراكز البيانات ولا تنتهي عند النماذج والتطبيقات.
ومن منظور سامر شقير، فإن ميزة السعودية المحتملة ليست في تقليد وادي السيليكون، وإنما في تحويل فائض الطاقة ورأس المال والأرض إلى قدرة حوسبية قابلة للتصدير.
لكن هذه الميزة لن تتحقق بمجرد الإعلان عن غيغاواطات جديدة. الاختبار الحقيقي هو سرعة الربط بالشبكة، وتأمين الرقائق، وتوقيع عقود استخدام طويلة الأجل، وتحقيق معامل استخدام مرتفع.
«هيوماين» ومراكز البيانات يعيدان تعريف الاستثمار في الخليج
تزامن توسع «هيوماين» مع شراكات متعددة مع شركات عالمية في البنية السحابية والرقائق، إلى جانب مشاريع لمراكز بيانات ضخمة في نيوم وغيرها من المناطق الاقتصادية.
هذه المشاريع تخلق سلسلة مستفيدين تتجاوز مشغلي مراكز البيانات أنفسهم.
المقاولون المتخصصون في الهندسة والمشتريات والبناء يستفيدون من توسع الإنفاق، وكذلك شركات الكهرباء والاتصالات والتبريد والأمن السيبراني ومورّدو المعدات.
وفي الطبقة المالية، تظهر فرصة أمام صناديق البنية التحتية والائتمان الخاص لتمويل أصول تتمتع بعقود استخدام طويلة الأجل، بينما يمكن لصناديق الأسهم الخاصة الاستثمار في منصات متخصصة في إدارة الطاقة والتبريد والخدمات التشغيلية.
وهنا يرى سامر شقير أن الخليج قد يتحول إلى سوق يجمع بين رأس المال السيادي والطلب العالمي على الحوسبة، وهو نموذج مختلف عن النموذج التقليدي الذي كانت فيه المنطقة مجرد مستثمر مالي في شركات التكنولوجيا العالمية.
الاقتصاد الخليجي بين الطاقة والبيانات
إذا نجحت السعودية في تحويل مشاريع مراكز البيانات من إعلانات إلى قدرات تشغيلية، فإن الأثر لن يتوقف على قطاع التكنولوجيا.
فمراكز البيانات تخلق طلباً على الكهرباء، والنقل، والاتصالات، والعقار الصناعي، والخدمات الهندسية، والأمن السيبراني، كما يمكن أن تجذب شركات الذكاء الاصطناعي التي تبحث عن قدرة حوسبية خارج الأسواق الأكثر ازدحاماً.
ومن هنا تتقاطع قصة مراكز البيانات مع أهداف رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد غير النفطي.
لكن سامر شقير يحذر من التعامل مع كل غيغاواط معلن باعتباره أصلاً اقتصادياً مكتمل القيمة.
ويقول إن «الإعلان عن الغيغاواط لا يخلق عائداً. العائد يبدأ عندما يصبح الغيغاواط موصولاً بالشبكة، ومجهزاً للعمل، ومباعاً بعقد استخدام يمكن تمويله».
المخاطر تنتقل من الرقائق إلى الشبكات
ارتفاع الاستثمار في مراكز البيانات لا يخلو من مخاطر.
أولها خطر الربط الكهربائي، إذ يمكن أن يتأخر المشروع رغم جاهزية المبنى والخوادم.
وثانيها ارتفاع أسعار المعدات، خصوصاً المحولات وأنظمة التبريد والكابلات.
وثالثها قيود تصدير الرقائق، التي يمكن أن تعطل الجدول الزمني لمراكز بيانات مكتملة البنية.
أما الخطر الرابع فهو سياسي. فكلما أصبحت مراكز البيانات مستهلكاً رئيسياً للكهرباء، زادت حساسية الرأي العام لأي ارتفاع في فواتير الأسر أو تراجع موثوقية الشبكة.
وهنا تصبح قضية الطاقة قضية سياسية، وليس مجرد متغير تشغيلي.
كما أن الاعتماد على سلاسل توريد مركزة في الصين بالنسبة لبعض المعادن والبطاريات والمكونات يضيف طبقة أخرى من المخاطر الجيوسياسية إلى نموذج اقتصادي يفترض في الأصل استمرارية التشغيل.
من الأسهم إلى البنية التحتية.. إعادة توزيع المحافظ
بالنسبة للمستثمر المؤسسي، قد يؤدي هذا التحول إلى إعادة بناء التعرض للذكاء الاصطناعي عبر عدة فئات من الأصول.
في الأسهم، قد تستفيد شركات الرقائق والحوسبة السحابية، لكن معها شركات الكهرباء والشبكات والمعدات الصناعية.
وفي الأسواق الخاصة، قد تصبح مراكز البيانات أصولاً جذابة لصناديق البنية التحتية، خصوصاً عندما تكون مدعومة بعقود طويلة الأجل.
أما الدخل الثابت، فقد يستفيد من توسع التمويل المرتبط بمشاريع الطاقة ومراكز البيانات، بينما تزداد أهمية تقييم المخاطر الائتمانية للمرافق والشركات القادرة على تمويل الأحمال الجديدة.
وبالنسبة لرأس المال الجريء، تنتقل الفرص إلى برمجيات تحسين استهلاك الطاقة، وإدارة الأحمال، والتبريد، والأمن السيبراني، وتحسين كفاءة الرقائق.
وبذلك تصبح محفظة الذكاء الاصطناعي أقل اعتماداً على سهم واحد أو قطاع واحد، وأكثر ارتباطاً بسلسلة القيمة الكاملة للحوسبة.
النظرة الاستراتيجية
المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي لن يحسمها بالضرورة من يملك أكبر نموذج، وإنما من يستطيع تشغيل هذا النموذج بكفاءة وعلى نطاق واسع.
ولهذا يتوقع سامر شقير أن تتحول الكهرباء إلى أحد أهم محددات تقييم أصول الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.
فالشركات التي تؤمّن الطاقة، وتملك عقوداً طويلة الأجل، وتستطيع إدارة التبريد والتوصيل وسلاسل التوريد، ستتمتع بميزة يصعب على المنافسين تقليدها سريعاً.
أما بالنسبة للسعودية والخليج، فإن الفرصة تكمن في استغلال ميزة الطاقة ورأس المال والموقع الجغرافي لبناء طبقة بنية تحتية رقمية قادرة على جذب الطلب العالمي.
ويختصر سامر شقير المعادلة بأن «الذكاء الاصطناعي أصبح صناعة كثيفة رأس المال وكثيفة الطاقة وكثيفة السياسة في آن واحد. من يدير الثلاث معاً يملك حق تخصيص رأس المال؛ ومن يشتري واحدة منها فقط يشتري تقلباً لا ميزة».
وبذلك، فإن السباق الجديد لم يعد فقط على الرقائق أو النماذج، بل على الإلكترون الذي يجعل الرقاقة تعمل. وفي هذه الدورة، قد تصبح شبكات الكهرباء والمحولات والتبريد والطاقة الموثوقة الأصول التي تعيد تعريف قيمة اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي.

