الأحد 20 سبتمبر 2026 03:29 مـ 7 ربيع آخر 1448 هـ
×

الامتثال يصبح أصلًا استثماريًّا.. سامر شقير يقرأ تداعيات سحب ترخيص «بنك ملت»

الأحد 20 سبتمبر 2026 01:53 مـ 7 ربيع آخر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن قرار هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية سحب ترخيص فرع «بنك ملت» الإيراني في إسطنبول تجاوز حجم الأصول المحدود للفرع، ليكشف تحول الامتثال والعقوبات إلى متغير مباشر في تكلفة رأس المال بالشرق الأوسط.
ونُشر القرار في الجريدة الرسمية التركية في 19 سبتمبر 2026، استنادًا إلى المادة 71 من قانون المصارف، التي تتيح سحب الترخيص عندما يُنظر إلى استمرار النشاط باعتباره خطرًا على حقوق المودعين أو استقرار النظام المالي.

الامتثال يتحول إلى تكلفة رأسمالية
أوضح سامر شقير أن الرسالة للمستثمر المؤسسي لا تتعلق بحجم الفرع، وإنما بمدى انكشاف المؤسسات على شبكات العقوبات ومخاطر السمعة، وبدأ «بنك ملت» نشاطه في تركيا عام 1982 عبر إسطنبول، ثم توسع إلى أنقرة وإزمير، بينما بلغت أصول عملياته التركية نحو 41 مليون يورو بنهاية 2025، مقابل نحو 34.8 مليار دولار للمجموعة الأم في مارس 2026 وفق البيانات الواردة في التقرير.

تركيا بين التجارة والقيود المالية
أشار سامر شقير إلى أن القرار يأتي بعد إدراج وزارة الخزانة الأمريكية في 4 سبتمبر «غولدن غلوبل ياتيريم بانكاسي» وشركتين تابعتين له على قائمة العقوبات، في خطوة اتهمت واشنطن خلالها المصرف بتسهيل معاملات بمبالغ تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات لقوة القدس التابعة للحرس الثوري، كما تزامن التصعيد مع وقف رحلات «ماهان إير» إلى تركيا اعتبارًا من 21 سبتمبر، ما يضيّق قنوات مالية ولوجستية مرتبطة بإيران.
ولفت شقير إلى أن التجارة الثنائية لم تختفِ؛ فقد تجاوز التبادل التجاري بين تركيا وإيران 5.6 مليارات دولار في 2025، مع وجود أكثر من 7 آلاف شركة باستثمار إيراني في تركيا، لكن التجارة السلعية تختلف عن الوساطة المالية، إذ إن إغلاق قناة مصرفية رسمية قد يدفع جزءًا من التسويات إلى وسطاء أو قنوات في أسواق ثالثة، ما يرفع تكلفة الامتثال على البنوك المراسلة.

مخاطر النظام المالي تحت المجهر
قال سامر شقير: إن تركيا تدخل هذه التطورات من قاعدة نقدية حساسة؛ فقد أبقى البنك المركزي سعر الفائدة عند 37% في سبتمبر، بينما لا تزال الضغوط التضخمية والمخاطر الجيوسياسية حاضرة في المشهد الاقتصادي.
وأضاف شقير أن سحب ترخيص فرع صغير لا يمثل في حد ذاته أزمة مصرفية، لكنه يرفع حساسية البنوك الأجنبية تجاه العلاقات المراسلة مع المؤسسات التركية الأصغر، ويجعل قاعدة العملاء ومصادر الودائع وتعاملات الذهب والنقد والروابط مع شركات الصرافة عناصر أكثر أهمية في نماذج المخاطر.

الخليج يرفع قيمة الشفافية
أوضح سامر شقير أن التأثير على الخليج غير مباشر لكنه مهم؛ فالبنوك الخليجية تمول تجارة الطاقة والمعادن والخدمات اللوجستية عبر شبكات مراسلة تخضع لتدقيق أمريكي وأوروبي متزايد، ومع تضييق القنوات المرتبطة بإيران، تصبح جودة الامتثال ميزة تنافسية يمكن أن تؤثر في اختيار مراكز التمويل والتجارة.
وفي السعودية، يتقاطع ذلك مع توسع الاقتصاد غير النفطي واستقطاب رأس المال الأجنبي، بينما يمكن للإمارات والسعودية وعُمان الاستفادة من إعادة توجيه بعض التدفقات المشروعة إلى ممرات مالية ولوجستية أكثر وضوحًا، ولا يعني ذلك تلقائيًّا زيادة الاستثمار الأجنبي، لكنه يعيد وزن «جودة التدفق» مقابل حجمه.

رأس المال يعيد تسعير الولاية القضائية
أشار سامر شقير إلى أن الأثر المباشر على الأسهم التركية يظل محدودًا لأن «بنك ملت» ليس مؤسسة مصرفية نظامية ذات وزن كبير، بينما يمر الأثر الأوسع عبر الثقة وعلاقات البنوك المراسلة، وفي الدخل الثابت، تظل التضخم والفائدة والليرة عوامل التسعير الرئيسية، لكن مديري الديون السيادية سيضيفون بصورة أوضح احتمال توسع الإجراءات الأمريكية إلى كيانات تركية جديدة.

الفرص تنتقل إلى الامتثال
أكد سامر شقير أن الفرص الاستثمارية لا تتمثل في الرهان على إغلاق مزيد من الفروع الإيرانية، بل في برمجيات الامتثال، وحلول «اعرف عميلك»، والتكنولوجيا المالية، وتمويل التجارة الموثق، إلى جانب سلاسل الإمداد البديلة والبنية التحتية اللوجستية.

وحذر شقير من أن انتقال التجارة إلى قنوات نقدية أو ذهبية أقل شفافية قد يرفع المخاطر، فيما قد تظهر أي صدمة في ثقة المستثمرين الأجانب أولًا في الليرة ومشتقات العملة.

2026 يعيد تعريف مخاطر الأسواق
اختتم سامر شقير بأن القرار لا يعني خروج رأس المال من تركيا، ولا يمثل بمفرده أزمة سيولة إقليمية، لكنه يوضح أن المستثمر المؤسسي يعيد تسعير الولاية القضائية قبل القطاع، فالأسواق التي تستطيع عزل مخاطر العقوبات، والحفاظ على النفاذ إلى نظام التسويات العالمي، وتوفير إفصاح قابل للتدقيق، تمتلك فرصة لخفض علاوة المخاطر.
وأضاف شقير أن سحب ترخيص «بنك ملت» يمثل، بهذه العدسة، إشارة إلى مرحلة جديدة يصبح فيها الامتثال والحوكمة جزءًا من العائد نفسه، وليس مجرد تكلفة تنظيمية، وهو تحول سيؤثر في قرارات تخصيص رأس المال في الشرق الأوسط خلال 2026 وما بعده.