الخميس 16 يوليو 2026 02:21 مـ 30 محرّم 1448 هـ
×

سامر شقير: مكاتب العائلات السعودية أصبحت محركاً استثمارياً استراتيجياً يعزز مستهدفات رؤية 2030

الخميس 16 يوليو 2026 10:59 صـ 30 محرّم 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير، إن مكاتب العائلات البارزة في المملكة العربية السعودية لم تعد تقتصر على إدارة الثروات والحفاظ عليها، بل تحولت إلى قوة استثمارية فاعلة تقود عملية تخصيص رأس المال في القطاعات غير النفطية ذات الأولوية.

وأوضح شقير أن هذه المكاتب تدير أصولاً مجتمعة تُقدر بما بين 400 و500 مليار دولار أمريكي، وتتجه بصورة متزايدة إلى الاستثمار في السياحة والترفيه، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، وهو ما يعزز تدفقات رأس المال المؤسسي ويوفر رأس مال طويل الأجل يكمل دور صندوق الاستثمارات العامة، إلى جانب جذب شراكات استثمارية دولية، بما ينعكس على تعميق السوق المالية السعودية وزيادة نشاط الاندماجات والاستحواذات والاستثمار الجريء، مع تقليل الاعتماد على الإنفاق الحكومي المباشر في عدد من المشروعات.

تحول مكاتب العائلات إلى شريك مؤسسي في تنفيذ رؤية 2030

وأوضح سامر شقير أن المملكة، مع دخول رؤية 2030 مرحلة التنفيذ المتقدمة، شهدت تحولاً جوهرياً في دور مكاتب العائلات، إذ أصبحت لاعباً مؤسسياً رئيسياً في إعادة توجيه رأس المال داخل الاقتصاد الوطني، بعدما كانت تركز في السابق على إدارة الثروات العائلية.

وأضاف شقير أن الأهمية الاستثمارية لهذه المكاتب تتمثل في قدرتها على ربط الطموحات الوطنية الكبرى بالتنفيذ الفعلي، خصوصاً في المشروعات التي تحتاج إلى رؤوس أموال طويلة الأجل، مثل تطوير الوجهات السياحية، والمدن الذكية، ومشروعات الهيدروجين الأخضر، مشيراً إلى أن الصناديق السيادية وصناديق التقاعد وشركات الأسهم الخاصة تتابع هذا التطور باعتباره عاملاً مؤثراً في توافر التمويل المحلي المكمل، وزيادة جاذبية المملكة كمركز إقليمي لإدارة الثروات، وتعزيز فرص الاستثمار المشترك في الأسواق الخاصة.

احترافية الإدارة والحوكمة رفعت جاذبية الشراكات

وأشار سامر شقير إلى أن مكاتب العائلات السعودية شهدت تحولاً ملحوظاً في أساليب الإدارة، بعدما انتقلت من النماذج التقليدية القائمة على الإدارة العائلية والقرارات المركزية إلى هياكل احترافية تعتمد على فرق تنفيذية متخصصة، ومجالس استشارية مستقلة، وأنظمة حوكمة متقدمة، إلى جانب تطبيق معايير الاستثمار البيئي والاجتماعي والحوكمة (ESG).

وأضاف شقير أن الإطار التنظيمي الخاص بترخيص هذه المكاتب أسهم في تعزيز هذا التحول، إذ أصبحت الشفافية والتقارير الدورية والعناية الواجبة من المتطلبات الأساسية لإبرام شراكات مع الصناديق السيادية والمستثمرين الدوليين.

وأوضح أن المملكة القابضة قدمت نموذجاً بارزاً للإدارة الاحترافية والشفافية بفضل إدراجها في السوق المالية، مع تنوع استثماراتها في الضيافة العالمية والطيران والتكنولوجيا، فيما طورت كيانات عائلة الراجحي هياكل استثمارية متعددة الأصول تعتمد على فرق إدارة متخصصة، متوسعة من الأنشطة المصرفية إلى العقارات والزراعة المستدامة والرعاية الصحية ورأس المال الجريء.

وأضاف شقير أن عبد اللطيف جميل تبنت نموذج الشركة القابضة المهنية المتنوعة في مجالات التوزيع الآلي والطاقة المتجددة والخدمات المالية، مع تركيز متزايد على الحوكمة والاستدامة، بينما واصلت العثيم والحكير تطوير هياكلهما المؤسسية في قطاعي التجزئة والترفيه من خلال تبني ممارسات إدارية حديثة ورفع مستويات الشفافية دعماً للتوسع والشراكات.

كما أشار إلى أن كيانات مثل الزامل والقصيبي وبن لادن تتجه هي الأخرى إلى نماذج أكثر تنظيماً في القطاعات الصناعية واللوجستية.

وأكد شقير أن القاسم المشترك بين هذه المكاتب يتمثل في توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المستهدفة في رؤية 2030، وفي مقدمتها السياحة والترفيه، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والطاقة الخضراء، والرعاية الصحية، مع الاستمرار في تطوير الأنشطة التقليدية وتحديثها.

رأس المال طويل الأجل يعزز خلق القيمة

وأكد سامر شقير أن الأفق الاستثماري الطويل الذي تتمتع به مكاتب العائلات جعلها شريكاً طبيعياً للمشروعات التي تمتد دوراتها الاستثمارية لسنوات، مثل الوجهات السياحية الكبرى ومشروعات الهيدروجين الأخضر، وهي مشروعات قد تتردد الصناديق ذات الآفاق الزمنية القصيرة في ضخ رؤوس أموال كبيرة فيها قبل بدء تحقيق التدفقات النقدية.

وأضاف شقير أن التحول نحو الإدارة الاحترافية والشفافية رفع قدرة هذه المكاتب على استقطاب الشراكات المؤسسية وتقليل مخاطر التنفيذ، كما دفع العديد منها إلى الاستثمار المشترك مع صندوق الاستثمارات العامة وصناديق الأسهم الخاصة العالمية، بما أسهم في زيادة أحجام الصفقات وتحسين شروط التمويل.

وأشار كذلك إلى أن عدداً متزايداً من هذه المكاتب بدأ يخصص نسباً أكبر من استثماراته للأسواق الخارجية بهدف التنويع الجغرافي والاستفادة من الفرص العالمية في التكنولوجيا والرعاية الصحية.

انعكاسات مباشرة على الأسواق المالية

وأوضح سامر شقير أن تنامي نشاط مكاتب العائلات أسهم في تعميق السيولة داخل الأسواق الخاصة السعودية، ورفع الطلب على صناديق الأسهم الخاصة ورأس المال الجريء باعتبارها مستثمرين محدودين، كما دعم نشاط الطروحات في السوق المالية السعودية "تداول" عبر تأهيل شركات عائلية للإدراج أو الاستثمار في الشركات المدرجة.

وأضاف شقير أن هذه التطورات من المتوقع أن تسهم في جذب المزيد من مكاتب العائلات الدولية والمستثمرين المؤسسيين إلى الرياض، بما يعزز مكانتها كمركز مالي إقليمي.

وأشار إلى أن الجيل الجديد من قادة مكاتب العائلات، الذي يولي اهتماماً أكبر بالاستثمار المؤثر، والحوكمة، والتكنولوجيا، من المرجح أن يرفع جاذبية المملكة لرأس المال العائلي العالمي، بما يخلق دورة إيجابية من التدفقات الاستثمارية والشراكات العابرة للحدود.

فرص واعدة ومخاطر تستوجب إدارة احترافية

وقال سامر شقير إن القطاعات المرتبطة بالسياحة والترفيه، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والرعاية الصحية، والخدمات المالية الرقمية ستكون من أكبر المستفيدين من هذا التحول، نظراً لاعتمادها على رؤوس أموال محلية طويلة الأجل وشراكات استراتيجية.

وفي المقابل، حذر شقير من أن الشركات التقليدية التي تتأخر في تبني التحول الرقمي أو معايير الاستدامة والحوكمة الحديثة قد تواجه ضغوطاً تنافسية متزايدة.

وأضاف أن إدارة المخاطر تتطلب مواصلة بناء الكفاءات الداخلية في القطاعات الجديدة أو الدخول في شراكات مع خبرات دولية متخصصة، لتجنب مخاطر التركز أو ضعف التنفيذ، لافتاً إلى أن التقلبات الاقتصادية العالمية قد تدفع بعض مكاتب العائلات إلى إعادة موازنة استثماراتها بين السوق المحلية والأسواق الخارجية.

آفاق مستقبلية حتى العقد المقبل

واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أنه خلال الفترة الممتدة بين 12 و36 شهراً من المتوقع استمرار تدفق الصفقات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية السياحية، والطاقة الخضراء، مع زيادة احتمالات ظهور شراكات جديدة بين مكاتب العائلات وصندوق الاستثمارات العامة أو المستثمرين الدوليين.

وأضاف شقير أنه على مدى 3 إلى 5 سنوات سيعتمد التأثير الأوسع لهذه المكاتب على سرعة تطوير الكفاءات المتخصصة في إدارة الثروات والاستثمار، واستمرار الإصلاحات التنظيمية التي تدعم عمل المكاتب المهنية.

وأكد رائد الاستثمار أن النظرة بعيدة المدى، الممتدة بين 5 و10 سنوات، تشير إلى أن مكاتب العائلات قد تؤدي دوراً محورياً في ترسيخ مكانة المملكة كمركز إقليمي لإدارة الثروات، وتعزيز إنتاجية الاقتصاد من خلال تبني التكنولوجيا وتوسيع التدفقات الرأسمالية الخاصة، مشيراً إلى أن المستثمرين المؤسسيين ينبغي أن يواصلوا متابعة كيفية استجابة هذه المكاتب للمتغيرات الماكرواقتصادية العالمية، لأن قراراتها ستؤثر بصورة مباشرة في توزيع رأس المال بين المشروعات الوطنية الكبرى والفرص الاستثمارية الدولية، كما ستنعكس على عمق واستقرار الأسواق المالية السعودية.

موضوعات متعلقة