سامر شقير: تقنية التقطير في الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل سباق التفوق التكنولوجي وتفرض أولويات استثمارية جديدة
قال سامر شقير، رائد الاستثمار، إن تقنية التقطير (Model Distillation) أصبحت واحدة من أكثر التقنيات تأثيراً في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، بعدما أتاحت تدريب نموذج "طالب" أصغر حجماً وأقل تكلفة لمحاكاة قدرات نموذج "معلم" أكثر تعقيداً، بما يخفض متطلبات الحوسبة بنسبة قد تصل إلى 90% أو أكثر مع الحفاظ على نسبة كبيرة من الأداء.
وأوضح شقير أن هذه التقنية لم تعد مجرد وسيلة لتعزيز الكفاءة التشغيلية، بل تحولت إلى محور تنافس جيوسياسي واقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، في ظل اتهامات موجهة إلى مختبرات صينية باستخدامها على نطاق واسع لاستخراج قدرات نماذج أمريكية متقدمة، مؤكداً أن هذه المتغيرات تفرض على المستثمرين المؤسسيين إعادة تقييم استراتيجيات تخصيص رأس المال، مع زيادة الاهتمام بحماية الملكية الفكرية والبنية التحتية الآمنة للذكاء الاصطناعي، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وأضاف أن التقطير يمثل أداة ذات تأثير مزدوج، إذ يسهم في تسريع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي وخفض تكلفتها، لكنه في الوقت نفسه يثير تحديات تتعلق بحقوق الملكية الفكرية واستدامة العوائد على الاستثمارات الضخمة في البحث والتطوير.
التقطير يعزز الكفاءة التشغيلية ويغير قواعد المنافسة
وأوضح سامر شقير أن تقنية التقطير أصبحت تستخدم بصورة واسعة لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة، حيث عمدت شركات عالمية مثل Google وOpenAI إلى تطوير نسخ مصغرة من نماذجها الكبيرة بهدف تشغيلها على الهواتف الذكية وأجهزة الحافة (Edge Devices).
وأضاف شقير أن هذه التقنية مكنت من تحويل النماذج اللغوية الضخمة إلى نماذج أصغر حجماً وأكثر سرعة وأقل استهلاكاً للطاقة، وهو ما دعم انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الهواتف الذكية والسيارات ذاتية القيادة وغيرها من الأجهزة التي لا تعتمد بشكل دائم على الحوسبة السحابية.
DeepSeek أعاد إشعال المنافسة العالمية
وأشار سامر شقير إلى أن شركة DeepSeek الصينية قدمت مثالاً لافتاً على قوة هذه التقنية عندما أطلقت نموذج R1 في أوائل عام 2025، والذي نجح في تحقيق أداء استدلالي منافس لنماذج OpenAI المتقدمة مثل o1، رغم أن تكلفة تدريبه التقديرية لم تتجاوز 6 ملايين دولار، مقارنة بمليارات الدولارات التي أنفقتها المختبرات الأمريكية لتطوير نماذجها.
وأضاف شقير أن العديد من المراقبين يرجحون أن جانباً من هذا الإنجاز اعتمد على تقطير مخرجات نماذج أمريكية متقدمة، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول ما وصفه البعض بـ"لحظة سبوتنيك" الجديدة في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
اتهامات أمريكية رفعت البعد الجيوسياسي للتقنية
وأكد سامر شقير أن الجدل لم يعد يقتصر على الجوانب التقنية، بل امتد إلى الأمن القومي والمنافسة الجيوسياسية، مشيراً إلى أنه في فبراير 2026 كشفت شركة Anthropic أن مختبرات صينية، من بينها DeepSeek وMoonshot AI وMiniMax، استخدمت أكثر من 24 ألف حساب مزيف لتنفيذ ما يزيد على 16 مليون تفاعل مع نموذج Claude، بهدف استخراج قدراته في الاستدلال والبرمجة والسلوك الوكيلي.
وأضاف شقير أن شركتي OpenAI وGoogle وثقتا حالات مشابهة، وهو ما دفع البيت الأبيض إلى إصدار مذكرة NSTM-4 في أبريل 2026، والتي اعتبرت هذه الممارسات تهديداً للأمن القومي الأمريكي.
وأوضح أن هذه التطورات تعكس قدرة تقنية التقطير على تسريع اللحاق التكنولوجي، لكنها في الوقت نفسه تعيد توزيع القيمة الاقتصادية من المطورين الأصليين إلى الجهات القادرة على إعادة توظيف هذه النماذج بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.
انعكاسات مباشرة على شركات التكنولوجيا والأسواق المالية
وأشار سامر شقير إلى أن التقطير أصبح يؤثر بصورة مباشرة في هيكل الإنفاق الرأسمالي داخل قطاع التكنولوجيا، حيث تتحمل الشركات الأمريكية الكبرى تكاليف تطوير النماذج الأساسية، بينما يستطيع المنافسون الاستفادة من مخرجاتها بتكاليف هامشية منخفضة، الأمر الذي يفرض ضغوطاً على هوامش الربحية ويعيد رسم خريطة المنافسة في أسواق البرمجيات والخدمات السحابية.
وأضاف شقير أن المستثمرين المؤسسيين أصبحوا مطالبين بالتركيز على الشركات التي تمتلك بيانات عالية الجودة وآليات متقدمة لحماية نماذجها وملكيتها الفكرية، باعتبارها الأكثر قدرة على الحفاظ على ميزتها التنافسية في المدى الطويل.
وأوضح أن شركات الأمن السيبراني، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، ومزودي حلول الحوسبة الفعالة على أجهزة الحافة، قد تكون من أبرز المستفيدين من هذا التحول، بينما قد تواجه الشركات التي تعتمد على نماذج مغلقة دون وسائل حماية كافية ضغوطاً متزايدة على تقييماتها السوقية.
فرص استثمارية جديدة للاقتصاد الخليجي
وأوضح سامر شقير أن تقنية التقطير تفتح آفاقاً واسعة للاستثمار في الاقتصاد الرقمي، خاصة في تطبيقات الرعاية الصحية الذكية، والتصنيع المتقدم، والخدمات المالية المؤتمتة.
وأضاف شقير أن المملكة العربية السعودية ودول الخليج تمتلك فرصة للاستفادة من هذا التحول عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية الآمنة، ومراكز البيانات السيادية، وتعزيز الشراكات التي تضمن نقل التكنولوجيا بصورة تحافظ على حقوق الملكية الفكرية، بما يدعم مستهدفات رؤية 2030.
وأكد أن تخصيص رأس المال في هذا القطاع يجب أن يحقق توازناً بين السعي إلى رفع الكفاءة التشغيلية والحفاظ على الابتكار الأصلي، لا سيما مع تصاعد التوترات الجيوسياسية التي قد تؤثر في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
وأضاف شقير أنه يتوقع زيادة نشاط صناديق الاستثمار الخاص ورأس المال الجريء في مجالات الذكاء الاصطناعي المطور وتقنيات الأمن السيبراني المرتبطة به خلال السنوات المقبلة.
الحوكمة والابتكار سيحددان الفائزين في المرحلة المقبلة
وأشار سامر شقير إلى أنه خلال الفترة الممتدة بين 12 و36 شهراً من المتوقع أن تشهد الأسواق توسعاً في التشريعات المنظمة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير تقنيات دفاعية متقدمة، مثل بصمات السلوك (Behavioral Fingerprinting)، وتعزيز مشاركة المعلومات الاستخباراتية بين الشركات الأمريكية لحماية نماذجها.
وأضاف شقير أنه على المدى الطويل، الممتد بين 5 و10 سنوات، ستتحدد مكانة الدول والشركات في الاقتصاد الرقمي العالمي وفق قدرتها على دمج تقنية التقطير بطريقة أخلاقية وآمنة وفعالة، مع الحفاظ على الابتكار وحماية الملكية الفكرية.
رؤية استراتيجية للمستثمرين المؤسسيين
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن الاستثمار الاستراتيجي الناجح في قطاع الذكاء الاصطناعي لم يعد يعتمد فقط على امتلاك أحدث النماذج، بل على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الكفاءة التقنية، والابتكار المحمي، والحوكمة الرشيدة، والشراكات الاستراتيجية.
وأضاف شقير أن مديري المحافظ الاستثمارية وصناديق الثروة السيادية مطالبون بإعادة موازنة محافظهم نحو الأصول التي تجمع بين الكفاءة التشغيلية والمرونة الجيوسياسية، مع الحفاظ على التركيز على النمو المستدام في أسواق المال والاقتصاد الخليجي، لأن الميزة التنافسية التي يحققها التقطير قد تكون مؤقتة إذا لم تستند إلى قاعدة قوية من الابتكار المحمي والتطوير المستمر.













