الإثنين 16 مارس 2026 09:24 مـ 27 رمضان 1447 هـ
×

سامر شقير: صدمات النفط والتوترات السياسية قد تخفي أكبر فرص 2026

الإثنين 16 مارس 2026 03:19 مـ 27 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في عالم الاستثمار، لا تتحرَّك الأسواق فقط وفق الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل تتحرَّك أيضًا وفق المشاعر الجماعية للمستثمرين، وغالبًا ما يكون الخوف أو التفاؤل المفرط هو العامل الذي يضخم الاتجاهات في السوق، في مثل هذه اللحظات يظهر مفهوم الاستثمار المعاكس أو ما يعرف بإشارات "الكونتراريان"، وهو النهج الذي يقوم على قراءة المزاج العام للسوق واتخاذ القرار بعكس الاتجاه السائد عندما يصل هذا المزاج إلى مستويات متطرفة.

التجربة التاريخية للأسواق المالية تُظهر أنَّ فترات التشاؤم الشديد غالبًا ما تسبق مراحل انتعاش قوية، فعندما ترتفع نسبة التشاؤم بين المستثمرين إلى مستويات مرتفعة، كما يحدث في بعض استطلاعات ثقة المستثمرين عندما تتجاوز نسبة المتشائمين نحو 60%، فإن ذلك يشير عادة إلى أن السوق قد اقترب من مرحلة المبالغة في رد الفعل، في مثل هذه الظروف يبدأ المستثمرون الكبار، أو ما يُعرف بالمال الذكي، بإعادة بناء مراكزهم الاستثمارية بهدوء بينما يندفع المستثمرون الأفراد إلى البيع تحت ضغط الأخبار السلبية.

في المرحلة الحالية من عام 2026، تتعرَّض الأسواق العالمية لمزيج من العوامل التي تعزز السرد السلبي، أحد أبرز هذه العوامل هو التقلبات الحادة في أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

مثل هذه الصدمات عادة ما تثير مخاوف واسعة حول تأثيرها في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والطاقة، لكن التاريخ يشير إلى أن صدمات النفط غالبًا ما تكون مؤقتة، إذ تميل الأسواق إلى استيعابها بسرعة بعد انحسار حالة الذعر الأولى.

العامل الثاني يتمثل في تصاعد التوترات الجيوسياسية في مناطق متعددة من العالم، وهو ما يدفع كثيرًا من المستثمرين إلى تقليص المخاطر والابتعاد عن الأسهم، لكن التجارب السابقة تظهر أن الأسواق كثيرًا ما تبالغ في تسعير المخاطر الجيوسياسية في المراحل الأولى للأزمات، قبل أن تُعيد تقييمها لاحقًا عندما تتضح الصورة بشكل أكبر.

أما العامل الثالث فهو السياسة النقدية للبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في ظل استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة، يتوقع كثير من المحللين أن يتباطأ مسار خفض أسعار الفائدة.

ورغم أن هذه التوقعات تضغط على معنويات المستثمرين، فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن الأسواق غالبًا ما تستبق قرارات البنوك المركزية بفترة طويلة، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من هذه المخاوف يكون قد تم تسعيره بالفعل في أسعار الأصول.

هذه البيئة المليئة بالتشاؤم تخلق ما يسمى بازدحام المراكز الاستثمارية في اتجاه واحد، عندما يتفق معظم المستثمرين على سيناريو واحد - مثل استمرار الهبوط - تصبح السوق عرضة لما يعرف بظاهرة "الضغط على المراكز القصيرة".

في هذه الحالة يضطر البائعون على المكشوف إلى شراء الأسهم بسرعة لتغطية مراكزهم عندما تبدأ الأسعار بالارتفاع، ما يؤدي إلى موجة صعود مفاجئة.

لهذا السبب يعتمد المستثمرون المحترفون على قراءة تدفقات رأس المال والمؤشرات السلوكية بدلًا من متابعة العناوين الإعلامية فقط، المؤسسات المالية الكبرى وصناديق التحوط وخطط التقاعد غالبًا ما تبدأ بإعادة توزيع أموالها قبل أن تتغيَّر معنويات السوق بشكل واضح.

وفي كثير من الحالات، يتحول المستثمرون الأفراد الذين يدخلون السوق متأخرين إلى مصدر السيولة التي يخرج عندها المستثمرون الكبار.

النمط التاريخي للأسواق يدعم هذه الفكرة، فبعد فترات التشاؤم الحاد، سجلت الأسواق في العديد من الحالات مكاسب قوية خلال العام التالي، إذ يمكن أن تحقق الأسهم ارتفاعات ملحوظة عندما تبدأ الثقة بالعودة تدريجيًّا.

هذا لا يعني أن كل أزمة تتحول فورًا إلى فرصة، لكنه يوضِّح أن المبالغة في الخوف قد تكون أحيانًا مؤشرًا على قرب تغيُّر الاتجاه.

الاستثمار المعاكس لا يقوم على المخاطرة العشوائية، بل يعتمد على فهم عميق لدورات السوق وسلوك المستثمرين، وعندما يتحوَّل الإعلام إلى مصدر دائم للأخبار السلبية، ويصبح الحديث عن الأزمات هو السرد المسيطر، قد يكون من المفيد للمستثمر أن يسأل سؤالًا بسيطًا: هل السوق يعكس الواقع فعلًا أم يعكس حالة نفسية جماعية مؤقتة؟

في النهاية، النجاح في الاستثمار لا يعتمد فقط على معرفة ما يحدث في الاقتصاد، بل على فهم كيفية تفاعل السوق مع تلك الأحداث، وعندما يصل الخوف إلى ذروته، قد تكون الفرصة الحقيقية قد بدأت بالفعل في التشكل.

المستثمر الذي يستطيع التَّحرُّر من عقلية القطيع، ويركِّز على البيانات بدلًا من الضجيج الإعلامي، يكون في موقع أفضل لاكتشاف الفرص التي لا يراها معظم المشاركين في السوق.

موضوعات متعلقة