سامر شقير: الشركة التي تربح من الحرب ليست دائمًا استثمارًا جيدًا
قد تكون الشركة رابحة من الحرب، ومع ذلك يكون سهمها استثمارًا سيئًا، وقد يكون الأصل الذي انهار تحت ضغط الصدمة أكثر جاذبية مما يبدو، لكن هبوطه لا يعني تلقائيًّا أنه أصبح رخيصًا.
هذه المفارقة هي جوهر التفكير الاستثماري من الدرجة الثانية: لا يكفي أن نسأل ماذا ستفعل الحرب بأسعار النفط أو الأسهم، بل يجب أن نسأل أيضًا ماذا عكس السوق بالفعل في الأسعار، وما مقدار السيناريو الذي ندفع ثمنه قبل أن يتحقق.
النفط المرتفع لا يعني أن سهم الطاقة رخيص
الصورة الأولى تبدو واضحة، برنت كان قرب 71 دولارًا قبل اندلاع الحرب، ثم قفز إلى مستويات تجاوزت 100 دولار، قبل أن يتراجع ويعاود الصعود مع استمرار اضطرابات الملاحة والإمدادات.
لكن السعر الحالي لا يمثل بالضرورة قيمة تشغيلية مستدامة.
فإذا ارتفع النفط بسبب علاوة المخاطر، فإن المستثمر الذي يشتري شركة طاقة بعد الصدمة لا يشتري أرباح الشركة فقط، وإنما يشتري أيضًا جزءًا من تلك العلاوة، والسؤال الحقيقي يصبح: ماذا سيبقى من الأرباح إذا تراجعت المخاطر؟
هنا تظهر أهمية هوامش التكرير، فقد أشارت ستيت ستريت إلى أن هامش التكرير من نوع 3-2-1 وصل إلى نحو ثلاثة أضعاف مستواه قبل الحرب، في حين ارتفع الخام بنحو الربع فقط، وهذا يعني أن اضطراب المنتجات النفطية واللوجستيات أصبح أكثر تأثيرًا من حركة الخام وحدها.
درس 2022.. الأرباح القياسية لا تكفي
تجربة أسهم الطاقة خلال حرب روسيا وأوكرانيا تقدم نموذجًا واضحًا، ارتفاع النفط آنذاك دعم القطاع بقوة، لكن استمرار الأداء القوي لم يكن مضمونًا بمجرد بقاء الشركات رابحة.
السبب أن المستثمر قد يخلط بين تحسن النتائج خلال ربع استثنائي وبين بداية دورة طويلة.
وهذا هو الفارق بين الشركة الجيدة والسهم الجيد، الشركة يمكن أن تحقق أرباحًا ضخمة، لكن إذا كان سعر السهم قد سبق هذه الأرباح بمسافة كبيرة، فقد لا يحصل المساهم الجديد على العائد المتوقع.
الخليج ليس "رخيصًا" لمجرد أن مؤشراته هبطت
على الجانب الآخر، تظهر إغراءات مختلفة في الأسواق الخليجية.
هبوط الأسهم قد يبدو فرصة إذا كان المستثمر ينظر إلى مضاعفات الأسعار فقط، لكن انخفاض التقييم لا يصبح قيمة حقيقية إلا إذا كان الضرر الذي تسبب في الهبوط مؤقتًا.
وتقدم بيانات إم إس سي آي سببًا قويًّا للحذر، فقد انقلب ارتباط النفط بالأسهم إلى السالب في أربع من دول مجلس التعاون الست خلال الأسابيع الأولى للحرب، بينما تعرضت قطاعات العقارات والتكنولوجيا والصناعة لضغوط كبيرة، وكان السبب الرئيسي أن الصراع أصاب النشاط الاقتصادي المحلي مباشرة، بدلًا من أن يكون مجرد صدمة نفطية خارجية كما حدث في 2022.
لذلك، فإن شراء سهم خليجي لأنه تراجع لا يكفي، يجب معرفة ما إذا كان انخفاض الأرباح مؤقتًا أم أن الحرب غيَّرت قدرة الأصل على توليد التدفقات النقدية.
الفرق بين الضرر المؤقت والخسارة الدائمة
هذه النقطة هي الأهم في تقييم الأصول خلال الأزمات.
تعطل حركة الناقلات يمكن أن يخفض الإيرادات لفترة، ثم تعود الأعمال إلى طبيعتها مع تحسن الملاحة، لكن تضرر منشأة إنتاجية أو تغير هيكل التمويل أو ارتفاع تكلفة رأس المال لفترة طويلة يمكن أن يترك أثرًا مختلفًا تمامًا على قيمة الشركة.
ولهذا لا ينبغي التعامل مع كل هبوط بنسبة 10% أو 20% باعتباره خصمًا استثماريًّا.
السعر المنخفض يصبح مغريا فقط عندما تكون قدرة الأصل على توليد النقد في المستقبل أكبر مما يعكسه التقييم الحالي.
التحوط بسهم الحرب قد لا يكون تحوطًا
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يبيع المستثمر أصلًا خليجيًّا متضررًا، ثم يشتري شركة طاقة أجنبية استفادت من ارتفاع الخام، معتقدًا أنه خفف المخاطر.
قد يكون قد فعل العكس.
فإذا كان الأصلان يتحركان في اتجاهات مختلفة بسبب العامل الجيوسياسي نفسه، فإن شراء سهم الطاقة لا يلغي التعرض للأزمة، بل ينقل المستثمر إلى الجانب الذي استفاد من ارتفاع علاوة المخاطر.
وتصبح المسألة أكثر تعقيدًا عندما ترتفع عوائد السندات أيضًا، فارتفاع تكلفة التمويل والخصم يؤثر في تقييم الشركات ذات التدفقات النقدية البعيدة، حتى لو كانت أرباح قطاع الطاقة تستفيد من ارتفاع أسعار الخام.
السوق بدأ يختبر فرضية انتهاء الصدمة
البيانات الأحدث تضيف طبقة جديدة إلى المشهد، فقد ارتفعت صادرات النفط الخليجية باستثناء إيران إلى نحو 81% من مستويات ما قبل الحرب خلال سبتمبر، مع قفزة كبيرة في صادرات السعودية، وفي 6 أكتوبر تراجع برنت إلى نحو 99.49 دولارًا مع تحسن الإمدادات وإعلان مجموعة السبع عن إطلاق احتياطيات طارئة.
لكن عودة التدفقات لا تعني أن السوق عاد إلى وضعه الطبيعي، فتكاليف النقل والتأمين واختناقات التكرير لا تزال تؤثر في الأسعار، ما يعني أن علاوة المخاطر لم تختف بالكامل.
وهنا تحديدًا يصبح التفكير من الدرجة الثانية أكثر أهمية: المستثمر لا يراقب فقط ما يحدث، بل يراقب ما إذا كان السعر قد سبق الأحداث بالفعل.
السؤال الذي يجب أن يسبق قرار الاستثمار
في الأزمات الجيوسياسية، لا يكفي أن نسأل: مَن الرابح ومَن الخاسر؟
السؤال الأدق هو: هل السعر الحالي أقل من القيمة التي ستبقى بعد انتهاء الصدمة؟
إذا ظل النفط مرتفعًا بسبب اختناقات النقل والتكرير، فقد تستمر أرباح شركات الطاقة في الاستفادة من الوضع، أما إذا عادت حركة الإمدادات تدريجيًّا، فإن جزءًا من تلك الأرباح قد يكون استثنائيًّا لا دوريًّا.
وبالمثل، فإن تراجع الأسهم الخليجية قد يتحول إلى فرصة إذا عادت الأنشطة المحلية إلى مسارها الطبيعي، لكنه قد يصبح فخًّا إذا امتد أثر الأزمة إلى التدفقات النقدية والاستثمار والائتمان.
لهذا، فإن أفضل قراءة لسوق 2026 ليست البحث عن السهم الذي ربح من الحرب أو الذي خسر بسببها، وإنما معرفة أي جزء من الحرب أصبح بالفعل داخل السعر، وأي جزء لم يصل إليه بعد.
فالاستثمار الجيد لا يبدأ من السؤال عن اتجاه الخبر، بل من المسافة بين السعر والقيمة بعد أن يهدأ الخبر.

