سامر شقير: الرياض تتقدم عالميًّا لكن جودة الحوكمة والبيئة تظل اختبارًا للمستثمر
قال سامر شقير، رائد الاستثمار: إن دخول الرياض للمرة الأولى قائمة أفضل 50 مدينة في مؤشر المدن العالمية لعام 2026 الصادر عن أكسفورد إيكونوميكس يمثل مؤشرًا قويًّا على تسارع النمو الاقتصادي وتطور رأس المال البشري في العاصمة السعودية، لكنه لا يمثل في حد ذاته مبررًا لرفع تقييم جميع الأصول المرتبطة بالمدينة.
وأوضح سامر شقير أن الرياض قفزت من المركز 97 في 2025 إلى المركز 50 في 2026، بعد أن كانت في المركز 118 عام 2024، لتسجل تقدمًا قدره 68 مركزا خلال عامين، وارتفعت الدرجة الإجمالية للمدينة إلى 78.1 مقابل 70.9 في العام السابق، مدفوعة بصورة خاصة برأس المال البشري الذي سجل 92.5 نقطة ووضع الرياض في المركز الرابع عالميًّا، والاقتصاد الذي سجل 77.7 نقطة مع احتلال المركز 18 عالميًّا.
وأشار إلى أن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عند النظر إلى بقية المؤشرات، إذ سجلت الرياض 64.4 نقطة في جودة الحياة، و48.8 في البيئة، و45.7 في الحوكمة، وقال إن هذا التفاوت يعني أن قوة الرياض الحالية تأتي بدرجة أكبر من الحجم الاقتصادي والمهارات والنمو، بينما لا تزال جودة البيئة المؤسسية وجودة الحياة تمثلان مجالات يمكن أن تحدد مقدار علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمر طويل الأجل.
وأكد سامر شقير أن نمو الاقتصاد والتوظيف يمثلان فرصة كبيرة للقطاع الخاص، موضحًا أن أكسفورد إيكونوميكس تشير إلى أن الرياض أوجدت خلال السنوات الخمس الماضية وظائف أكثر من أي مدينة أخرى ضمن العينة، فيما نما اقتصادها بمتوسط يتجاوز 11% سنويًّا خلال الفترة نفسها.
وأضاف أن ارتفاع الوظائف يخلق طلبًا متزايدًا على الإسكان والتجزئة والرعاية الصحية والخدمات المهنية والنقل والمرافق، لكن عدد الوظائف وحده لا يكفي للحكم على جودة النمو، فالاستثمار الذي يقوده الإنفاق العام والمشروعات الكبرى يختلف في طبيعته عن النمو الناتج عن شركات خاصة قادرة على توليد إيرادات متكررة وهوامش مستقرة.
وقال سامر شقير: إن انتقال القيمة الاستثمارية داخل الاقتصاد السعودي يمكن أن يظهر في أربعة مسارات رئيسية، أولها الطلب المحلي غير النفطي، وثانيها العقار المدر للإيجار، وثالثها الشركات القادرة على تحويل نمو سوق العمل إلى إنتاجية، ورابعها الخدمات المالية والبنية التحتية المرتبطة بتوسع العاصمة.
ولفت إلى أن ارتفاع ترتيب الرياض في مؤشر المراكز المالية العالمية إلى المركز 46، بعد تقدمها 15 مركزًا، يعزز عمق السوق المالية والسيولة المؤسسية، لكنه لا يلغي أهمية تحسين الحوكمة والبيئة، وأوضح أن المستثمر المؤسسي لا يشتري النمو فقط، وإنما يشتري أيضًا قابلية التسعير والاستقرار والشفافية والقدرة على التنبؤ بالتكاليف.
وأشار سامر شقير إلى أن المنافسة الخليجية تظل عاملًا مهمًا في تحديد القيمة، خصوصًا مع احتلال دبي المركز 42 عالميًّا، فالمدن لا تتنافس دائمًا على رأس المال نفسه بصورة مباشرة، وقد تتوزع المقرات الإقليمية والوظائف والاستثمارات بين الرياض، التي تتمتع بحجم اقتصادي وزخم نمو قوي، ودبي التي تمتلك بنية أكثر نضجًا في التجارة والخدمات الدولية.
وأكد أن ارتفاع ترتيب الرياض سيصبح أكثر أهمية للمستثمر إذا تحول إلى نمو مستدام في إنتاجية القطاع الخاص، وليس مجرد استمرار في التوظيف المرتبط بالمشروعات، وأضاف أن الاختبار الحقيقي سيكون قدرة الاقتصاد على الحفاظ على النمو بعد اكتمال مراحل الإنفاق الرأسمالي الكبرى.
وقال سامر شقير: إن المستثمرين عليهم مراقبة نمو التوظيف الخاص مقارنة بالتوظيف الحكومي وشبه الحكومي، وإشغال المكاتب بعد دخول المعروض الجديد، ونمو الائتمان المصرفي للقطاع الخاص غير النفطي، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الأنشطة غير العقارية، إلى جانب تطور جودة الحياة والبيئة والحوكمة.
واختتم سامر شقير قائلًا: "المركز الخمسون يثبت أن الرياض أصبحت ضمن المدن التي لا يستطيع مديرو الأصول العالميون تجاهلها، لكنه لا يثبت أن خصم المخاطر اختفى أو أن كل أصل مرتبط بالعاصمة يستحق مضاعفًا أعلى، القيمة الحقيقية ستكون في الشركات والأصول التي تستطيع تحويل نمو السكان والوظائف ورأس المال البشري إلى إيرادات متكررة وتدفقات نقدية مستدامة".
وأضاف أن صعود الرياض في التصنيف يمثل بداية مرحلة جديدة من المقارنة العالمية، لكن إعادة التسعير المستدامة ستعتمد على قدرة المدينة على تحويل الحجم والنمو إلى إنتاجية وهوامش وربحية، مع تضييق الفجوة في البيئة والحوكمة وجودة الحياة.

