سامر شقير: رأس المال يتجه إلى السعودية لأن ميزان الفرص تغير
لم يعد السؤال في السوق السعودية هو ما إذا كانت المملكة تستطيع جذب رأس المال، بل ما إذا كانت قادرة على تحويل التدفقات المتزايدة إلى شركات وصناعات تحقق عوائد مستدامة خارج دائرة الإنفاق الحكومي. هذه النقطة تحديدا هي التي تضع التحول الاقتصادي السعودي أمام اختبار أكثر صعوبة من مجرد ارتفاع حجم الاستثمارات.
وصول الأنشطة غير النفطية إلى نحو 55% من الناتج خلال 2025، مع نمو بلغ 4.9%، يعكس اتساع قاعدة الاقتصاد القابلة للاستثمار. كما بلغ الناتج الحقيقي نحو 1.31 تريليون دولار، ووصلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 35.5 مليار دولار، فيما سجلت الصادرات غير النفطية 622.87 مليار ريال.
هذه نتائج فعلية، لكنها لا تعني اختفاء المخاطر.
السعودية تبني ميزة يصعب تكرارها
القوة الاستثمارية للمملكة لا تأتي من عامل منفرد. مزيج الطاقة والمعادن ورأس المال، إلى جانب الموقع الجغرافي بين أسواق كبرى، والطلب المحلي المتنامي، والسياحة الدينية، والقوة الشرائية، والبنية اللوجستية، والتوسع التقني، يصنع تركيبة يصعب على سوق منافسة نسخها بالترتيب نفسه.
وجود أكثر من 700 مقر إقليمي لشركات عالمية، وفقا لبيانات برنامج التحول الوطني، يمثل اختبارا حقيقيا لهذه البيئة. فالمقر الإقليمي لا يضيف قيمة كبيرة لمجرد وجوده، وإنما عندما يتحول إلى وظائف، ومشتريات محلية، وخدمات متخصصة، وصادرات.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى النفط باعتباره نهاية القصة. أهميته تكمن أيضا في أنه وفر رأس المال الذي يجري توجيهه حاليا إلى التعدين والسياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والتقنية.
أين يمكن أن يظهر العائد؟
النمو غير النفطي يوسع فرص الاستثمار، لكنه لا يضمن تلقائيا ارتفاع الأرباح.
وصول عدد الزوار إلى 123 مليون زائر في 2025 يدعم الفنادق والنقل والتجزئة، لكن زيادة المعروض الفندقي بوتيرة أسرع من الطلب القادر على الدفع قد تضغط على الهوامش.
الأمر نفسه ينطبق على الصناعات التصديرية. ارتفاع صادرات الكيماويات والآلات يعكس توسع النشاط، لكن العائد النهائي يتأثر بتكلفة الطاقة والشحن وأسعار الأسواق العالمية.
أما المقرات الإقليمية فتخلق طلبا على العقارات والخدمات المهنية، لكن القرار النهائي للاستثمار قد يظل مرتبطا بميزانية الشركة الأم خارج المملكة.
لهذا تبدو الفرص الأكثر جاذبية في الشركات القادرة على تحويل الإنفاق الرأسمالي إلى تكلفة تشغيل أقل أو إيرادات متكررة، مثل الخدمات اللوجستية، والتصنيع القابل للتصدير، والرعاية الصحية، والتعليم، والخدمات الرقمية.
رأس المال الجريء أمام الاختبار الأصعب
التحول لا يقتصر على الاقتصاد التقليدي. سوق رأس المال الجريء السعودي انتقل من نحو 60 مليون دولار في 2018 إلى 1.66 مليار دولار عبر 254 صفقة في 2025، أي نحو 25 ضعفا، مع احتفاظ المملكة بصدارة المنطقة للعام الثالث.
ووفقا للشركة السعودية للاستثمار الجريء، وصلت التزاماتها منذ 2018 إلى 1.2 مليار دولار، وحفزت التزامات شركاء بنحو 5.9 مليار دولار عبر 65 صندوقا وأكثر من ألف شركة ناشئة ومنشأة صغيرة.
لكن وفرة التمويل لا تعني بالضرورة وفرة الشركات الناجحة.
اقتصاد رأس المال الجريء يقوم على توزيع غير متوازن للعوائد؛ عدد محدود من الشركات قد يصنع غالبية العائد، بينما تفشل رهانات أخرى أو تحقق نتائج محدودة. لذلك يصبح السؤال الحقيقي بعد ارتفاع التمويل: هل المال يمول تجارب تثبت وجود طلب حقيقي، أم يمول نموا سريعا لا يستطيع الحفاظ على العميل بعد توقف الحوافز؟
المؤشر الأهم سيكون قدرة الشركات السعودية على جذب رأس مال خاص في الجولات اللاحقة، وتحقيق إيرادات متكررة، والوصول إلى تخارجات بأسعار منطقية مقارنة بالتقييمات السابقة.
الصناعة السعودية أمام امتحان السوق العالمي
قطاع الصناعة والخدمات اللوجستية يقدم الاختبار الأكثر وضوحا للتحول الاقتصادي.
بلغت مساهمة الأنشطة المرتبطة ببرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية نحو 1.045 تريليون ريال في الناتج غير النفطي خلال 2025، بما يعادل 39% منه، مقابل 996 مليار ريال في 2024.
ونما التصنيع 6%، والكهرباء والغاز والمياه 5%، والنقل والتخزين 4%، والتعدين 3%. كما ارتفعت الصادرات غير النفطية إلى 622.87 مليار ريال، منها 80.9 مليار ريال من الآلات والمعدات الكهربائية و80.3 مليار ريال من الكيماويات.
لكن ارتفاع مساهمة القطاع في الناتج لا يكفي وحده لإثبات القدرة التنافسية.
الاختبار الحقيقي هو ما يحدث عندما يغادر المنتج مظلة الطلب المحلي والعقود الحكومية ويواجه مشترين في أسواق لا تربطهم مصلحة بالمملكة.
اللوجستيات قد تكون مفتاح الميزة الجديدة
الموقع الجغرافي يتحول إلى ميزة اقتصادية فقط عندما تنخفض تكلفة استخدامه.
الموانئ، والسكك الحديدية، والإجراءات الجمركية الرقمية، وسرعة التخليص، وكفاءة النقل الداخلي، كلها عناصر تحدد ما إذا كانت المملكة ستبقى سوقا كبيرة أم تتحول إلى مركز عبور وتصنيع وإعادة تصدير.
هنا يمكن أن تظهر فرص أمام شركات التوزيع الإقليمية، والمصانع التي تنتج لإعادة التصدير، ومشغلي النقل والخدمات اللوجستية.
القيمة لا تقاس بعدد الأرصفة أو المشاريع المعلنة، وإنما بقدرة البنية التحتية على تقليل الزمن والتكلفة مقارنة بالممرات المنافسة.
الرهان الحقيقي هو تخصيص رأس المال
توزيع الاستثمارات بين التعدين والسياحة والتصنيع واللوجستيات والطاقة المتجددة والرعاية الصحية يقلل الاعتماد على قطاع واحد، لكنه يفرض في المقابل انضباطا أكبر في تخصيص رأس المال.
امتلاك المستثمر طويل الأجل القدرة على الانتظار يمنحه ميزة، لكنه لا يلغي تكلفة الفرصة. كل ريال يتم توجيهه إلى مشروع منخفض العائد كان يمكن استخدامه في أصل أكثر إنتاجية أو في خفض تكلفة التمويل.
لذلك لا يكفي أن ترتفع الاستثمارات غير الحكومية المكتملة إلى 775 مليار ريال، أو أن تصل نسبة توطين الصناعات العسكرية إلى 24.89% مقابل مستهدف 16.5%. السؤال هو ما إذا كانت هذه الاستثمارات تنتج قدرة تنافسية يمكنها الاستمرار دون دعم استثنائي.
ماذا يجب أن يراقب المستثمر؟
المرحلة المقبلة تحتاج إلى مؤشرات أكثر عمقا من حجم الإنفاق أو عدد المشاريع.
يجب مراقبة نمو الاقتصاد غير النفطي ربعيا، وصافي تدفقات الاستثمار الأجنبي، ونسبة تكوين رأس المال إلى الناتج مقارنة بمستهدف 30%، ونمو الصادرات غير النفطية بعد استبعاد إعادة التصدير، وهوامش الصناعات كثيفة الطاقة، وتكلفة التمويل، ونسبة الجولات اللاحقة التي يقودها مستثمرون مستقلون.
وفي الصناعة، يصبح الفارق بين نمو الإنفاق ونمو الإنتاج القابل للبيع مؤشرا حاسما. وفي اللوجستيات، يجب قياس تكلفة وزمن نقل البضائع مقارنة بالممرات المنافسة.
أما في رأس المال الجريء، فالاختبار سيكون في الشركات التي تستطيع الاستمرار بعد انتهاء الخصومات والحوافز، وليس في حجم الجولة التمويلية وحده.
السعودية قطعت شوطا واضحا في نقل مركز الثقل من اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على النفط إلى منظومة أوسع من النشاط غير النفطي. لكن المرحلة التالية مختلفة: لم يعد التحدي هو جذب المال، بل إثبات أن رأس المال يستطيع إنتاج شركات وصناعات وتدفقات نقدية قادرة على المنافسة.
وهنا تحديدا سيعاد تسعير الفرص السعودية: ليس على أساس حجم الإنفاق، وإنما على أساس ما يبقى منه بعد أن يبدأ السوق في اختبار العائد.

