سامر شقير: التوجه العالمي نحو المكونات الطبيعية يعيد تشكيل مستقبل قطاع الأغذية والمشروبات
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن نتائج دراسة علمية طويلة الأمد، ربطت بين الاستهلاك المرتفع لعدد من المحليات الاصطناعية وتسارع التراجع في القدرات المعرفية، لم تعد تمثل مجرد تطور صحي، بل أصبحت مؤشراً استثمارياً مهماً قد يدفع المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة تقييم مراكزهم في قطاع الأغذية والمشروبات.
وأوضح شقير أن الدراسة، التي نُشرت في مجلة Neurology، تابعت أكثر من 12 ألف مشارك على مدار ثماني سنوات، وأظهرت أن الفئة الأعلى استهلاكاً للمحليات الاصطناعية سجلت تراجعاً أسرع بنسبة 62% في القدرات المعرفية الإجمالية، وهو ما يعادل نحو 1.6 سنة إضافية من الشيخوخة الدماغية، خاصة لدى الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 60 عاماً والمصابين بمرض السكري.
وأضاف أن هذه النتائج تفتح الباب أمام إعادة تسعير المخاطر داخل سلاسل القيمة في الصناعات الغذائية، مع تنامي الفرص أمام المنتجات النظيفة والبدائل الطبيعية، في ظل ارتفاع معدلات الشيخوخة والسكري عالمياً.
الضغوط الصحية والتنظيمية تعزز التحول
وأشار سامر شقير إلى أن المحليات الاصطناعية، مثل الأسبارتام، والسكارين، والأسيسولفام-ك، والإريثريتول، والسوربيتول، والزايليتول، أصبحت مكوناً رئيسياً في المشروبات منخفضة السعرات واللبن والزبادي والمنتجات فائقة المعالجة، إلا أن تكرار ظهور ارتباطات إحصائية بين الاستهلاك المرتفع لهذه المحليات وتسارع التراجع المعرفي، حتى بعد تعديل تأثير عوامل مثل العمر وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، أثار تساؤلات متزايدة حول استدامة هذا النموذج.
وأضاف شقير أن الضغوط التنظيمية والاستهلاكية على المكونات الاصطناعية تتزايد بصورة مستمرة، بينما يميل المستهلكون، ولا سيما في الفئات العمرية الأكثر نشاطاً اقتصادياً، إلى المنتجات التي تعتمد على مكونات طبيعية وشفافة، وهو ما يدعم نمو الطلب على بدائل مثل الستيفيا ومستخلصات الفاكهة وغيرها من المحليات الطبيعية، لافتاً إلى أن هذا الاتجاه يبدو أكثر وضوحاً في الأسواق الناشئة التي تتزامن فيها معدلات السكري المرتفعة مع توسع الطبقة الوسطى.
وأكد أن الدراسات العلمية من هذا النوع لا تغيّر سلوك المستهلك في وقت قصير، لكنها تعيد تسعير المخاطر طويلة الأجل في محافظ الشركات الاستهلاكية، وتدفع رؤوس الأموال المؤسسية إلى تفضيل نماذج الأعمال الأقل تعرضاً للمخاطر التنظيمية والسمعة.
انعكاسات مباشرة على شركات الأغذية والمشروبات
وقال سامر شقير إن الشركات التي تعتمد بصورة كبيرة على المحليات الاصطناعية قد تواجه ضغوطاً متزايدة على هوامش أرباحها، سواء نتيجة تكاليف إعادة صياغة المنتجات، أو ارتفاع الإنفاق على الحملات التسويقية الدفاعية، أو تباطؤ نمو فئة المنتجات منخفضة السعرات.
وأوضح شقير أن الشركات العالمية العاملة في قطاع المشروبات الغازية والأغذية المصنعة قد تضطر إلى تسريع خططها للتحول نحو المحليات الطبيعية أو المزج بين البدائل الطبيعية والاصطناعية، وهو ما قد يفرض استثمارات رأسمالية إضافية ويؤثر في توقعات الأرباح على المدى القصير.
وفي المقابل، رأى أن الفرص الاستثمارية قد تتوسع أمام الشركات المتخصصة في المحليات الطبيعية وتقنيات الاستخلاص النظيف، وكذلك الشركات العاملة في المكملات الغذائية المرتبطة بصحة الدماغ والشيخوخة الصحية، مشيراً إلى أن سوق المحليات الطبيعية يواصل النمو بدعم من الطلب المتزايد على المنتجات النظيفة، الأمر الذي قد يعزز عمليات الاندماج والاستحواذ من جانب الشركات الكبرى الساعية إلى تأمين سلاسل الإمداد.
وأضاف شقير أن الأسواق المالية قد تشهد اتجاهاً متزايداً نحو تفضيل الشركات التي تتمتع بمعايير أعلى في الحوكمة البيئية والاجتماعية داخل قطاع السلع الاستهلاكية، مع زيادة التدقيق في الإفصاحات المتعلقة بالمكونات الصحية.
فرص استثمارية في السعودية والخليج
وأكد سامر شقير أن هذا الملف يكتسب أهمية أكبر في دول الخليج، في ظل ارتفاع معدلات الإصابة بالسكري والسمنة، موضحاً أن المملكة العربية السعودية تعمل، ضمن مستهدفات رؤية 2030، على خفض معدلات السمنة والسكري، وقد اتخذت بالفعل إجراءات مثل فرض الضرائب على المشروبات السكرية، وإلزام الشركات بإظهار السعرات الحرارية على المنتجات، وهو ما شجع الشركات على إعادة صياغة منتجاتها.
وأضاف شقير أن هذه التطورات تفتح المجال أمام استثمارات جديدة في تصنيع البدائل الطبيعية محلياً، وفي سلاسل التوريد المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والرعاية الصحية الوقائية، مشيراً إلى أن صناديق الاستثمار السيادية والقطاع الخاص قد يجدان في هذا التحول فرصة لتعزيز الأمن الغذائي ودعم التنويع الاقتصادي بعيداً عن الاعتماد على المنتجات فائقة المعالجة المستوردة.
وقال إن الاستثمار في حلول غذائية أكثر استدامة، في أسواق مثل السعودية ودول الخليج، أصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لتخصيص رأس المال تتقاطع فيها أهداف الصحة العامة مع مستهدفات التنويع الاقتصادي، ولم يعد مجرد استجابة لاتجاهات المستهلكين.
إعادة تقييم المحافظ الاستثمارية
وأوضح سامر شقير أن صناديق التقاعد وصناديق الثروة السيادية وشركات الاستثمار المباشر قد تجد نفسها مطالبة بإعادة النظر في حجم تعرضها لقطاع السلع الاستهلاكية الأساسية، متوقعاً أن تتجه المحافظ الاستثمارية إلى زيادة أوزان الشركات التي تمتلك خطوط إنتاج قوية للبدائل الطبيعية أو استثمارات بحثية متقدمة في مجال الغذاء الوظيفي.
وأضاف شقير أن رأس المال المغامر قد يجد فرصاً واعدة في الشركات الناشئة التي تطور تقنيات جديدة للتحلية أو المنصات الرقمية التي تربط المستهلكين بمنتجات صحية مدعومة بالبيانات، بينما قد تشهد أسواق أدوات الدخل الثابت تشدداً في تسعير مخاطر الائتمان للشركات التي تواجه تكاليف مرتفعة لإعادة صياغة منتجاتها أو مخاطر تنظيمية متزايدة.
وأكد أن المستثمر المؤسسي لم يعد يبحث فقط عن نمو الإيرادات، بل أصبح يركز بصورة أكبر على قدرة نموذج الأعمال على التكيف مع المتغيرات العلمية والتنظيمية، محذراً من أن الشركات التي تتجاهل هذه المؤشرات قد تواجه ارتفاعاً في تكلفة رأس المال خلال السنوات المقبلة.
توقعات المرحلة المقبلة
واختتم سامر شقير بالإشارة إلى أنه خلال الاثني عشر شهراً المقبلة ستراقب الأسواق عن كثب نتائج الدراسات اللاحقة والبحوث التأكيدية، إلى جانب مواقف الجهات التنظيمية في الأسواق الرئيسية.
وأضاف شقير أنه على مدى ثلاث إلى خمس سنوات من المرجح أن تتسارع وتيرة تحول محافظ المنتجات لدى الشركات الكبرى، مع ارتفاع حصة المحليات الطبيعية ضمن مزيج المنتجات.
وأشار إلى أنه على المدى الأطول، أي خلال خمس إلى عشر سنوات، قد يؤدي هذا الاتجاه إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الغذائية عالمياً، ودعم نمو قطاعات المكملات الغذائية وصحة الدماغ والشيخوخة الصحية، خصوصاً في الاقتصادات التي تواجه تحديات ديموغرافية متزايدة.
واختتم شقير حديثه قائلاً إن المستثمرين الذين يدمجون هذه المتغيرات العلمية في نماذج التقييم مبكراً سيكونون الأكثر قدرة على الاستفادة من موجة إعادة تخصيص رأس المال، مؤكداً أن التدفقات الاستثمارية تتجه في النهاية إلى النماذج القادرة على التكيف مع المعرفة العلمية المتراكمة، وليس إلى النماذج التي تعتمد على افتراضات استهلاكية تجاوزها الواقع.













