سامر شقير: 16.5 مليار دولار طلبًا على صكوك السعودية يعكس ثقة المستثمرين
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن موجة البيع في أسواق السندات الدولية رفعت كلفة التمويل عالميًّا، لكنها لم تمنع المستثمرين المؤسسيين من الإقبال على الائتمان الخليجي عالي الجودة.
وأشار شقير إلى أن إصدار الصكوك السيادية السعودية بقيمة 3.25 مليار دولار جذب طلبات بنحو 16.5 مليار دولار، أي أكثر من خمسة أمثال الحجم المطروح، ما سمح بتضييق الهامش بنحو 30 نقطة أساس وتسعير الشريحتين عند 70 و80 نقطة أساس فوق سندات الخزانة الأمريكية.
وأوضح أن ما حدث أكد أن تخصيص رأس المال لم يعد يتبع اتجاه أسعار الفائدة وحده، بل أصبح يعتمد بدرجة أكبر على جودة الميزانية العمومية وعمق السوق وقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات.
السعودية تستفيد من التمايز الائتماني
لفت سامر شقير، إلى أن السعودية دخلت عام 2026 باحتياجات تمويلية تقدر بنحو 217 مليار ريال لتغطية العجز المتوقع وإعادة تمويل الاستحقاقات، بعد زيادة الإنفاق في بيئة جيوسياسية مضطربة خلال الربع الأول.
وأضاف شقير أن العودة إلى الأسواق الدولية بتغطية مرتفعة وتسعير أضيق من المستويات الاسترشادية عكست استمرار ثقة المستثمرين في الدين السعودي، خصوصًا بعد استكمال المملكة جزءًا كبيرًا من احتياجاتها التمويلية مبكرًا وجمع صندوق الاستثمارات العامة تمويلًا قياسيًّا في وقت سابق من العام، قائلًا: «ما حدث لم يكن رفضًا للمخاطر، بل إعادة تصنيف لها، كلفة المال ارتفعت للجميع، لكن السوق لم يعد يسعّر الخليج ومصر والأدوات عالية العائد في سلة واحدة، المستثمر يدفع علاوة أقل حين يرى قدرة المصدر على الوصول المتكرر إلى السوق واستقرار الطلب المحلي ووضوح أولويات الإنفاق».
الصكوك تتحول إلى أصل رئيسي
وأوضح سامر شقير، أن الإقبال على الصكوك السعودية جاء رغم التوقيت الصعب لأسواق الدخل الثابت، مع ارتفاع عوائد السندات العالمية ومخاوف التضخم المرتبطة بالطاقة وإعادة تسعير رهانات السياسة النقدية الأمريكية.
ورأى شقير أن قوة الطلب تعود إلى ندرة الأوراق السيادية الخليجية ذات الحجم والسيولة، واستمرار اهتمام المستثمرين الآسيويين والأوروبيين وصناديق الثروة بالسعودية، إلى جانب تحول الصكوك إلى مكون أساسي في محافظ الدخل الثابت الإسلامي والتقليدي.
وأضاف أن إعادة تدوير رأس المال في الخليج امتدت بين الإصدارات السيادية وتمويل الصناديق السيادية ومشروعات رؤية 2030، مع انتقال تدريجي من التسارع في الإنفاق إلى إدارة أكثر انتقائية للعائد على رأس المال.
مصر بين تجارة الفائدة والاستثمار التشغيلي
أشار سامر شقير، إلى أن مصر تواجه نموذجًا مختلفًا، فقد تجاوز متوسط العائد المرجح على أذون الخزانة في مزادات أوائل سبتمبر 25% لآجال قصيرة ومتوسطة، بينما بلغت أسعار الفائدة الأساسية 19% للإيداع و20% للإقراض، مع تضخم عام قرب 15%.
وأوضح شقير أن العائد المرتفع أبقى تجارة الفائدة جذابة اسميًّا، لكنه زاد أيضًا حساسية السوق لخروج المستثمرين الأجانب، في وقت تحرك فيه الدولار قرب 51 جنيهًا، وبقيت الحيازات الأجنبية من أدوات الدين المحلية عند عشرات المليارات من الدولارات.
وأضاف أن الاحتياطيات سجلت مستويات قياسية في أشهر سابقة بدعم التحويلات والخدمات وتدفقات المحفظة، لكن العجز التجاري والاعتماد على الأموال قصيرة الأجل جعلا الاختبار الحقيقي مرتبطًا بكلفة تجديد التمويل والقدرة على توليد الدولار.
الاستثمار المباشر يعيد تعريف الفرصة
وقال سامر شقير: إن اتجاه رأس المال نحو الشركات المصدرة يمثل تحولًا مهمًا، مشيرًا إلى اعتزام أفانز كابيتال تأسيس «منارة 2» باستثمارات 3 مليارات جنيه لدعم شركات تصديرية، بعد تخارج صندوق «منارة» من «بوسطة» بعائد بلغ 4.1 أمثال رأس المال ومعدل عائد داخلي 92% خلال نحو عامين، مع استثمار بالجنيه وتخارج بالدولار.
وأضاف شقير: «حين ترتفع كلفة الصدمات، ينتقل المستثمر من البحث عن العائد الاسمي إلى البحث عن القدرة على التحويل إلى عملة صعبة، الاستثمار في الصادرات والخدمات القابلة للتداول يعيد تعريف علاوة المخاطر من ورقة محلية إلى أصل تشغيلي».
أين تتجه المحافظ؟
ورأى سامر شقير، أن المستثمرين يميلون إلى الجمع بين أدوات الدين السيادية الخليجية والاستثمار المباشر الانتقائي في مصر، مع التركيز على الشركات القادرة على توليد إيرادات خارجية.
وقال شقير: إن الفرص تتركز في أدوات الدين الخليجية متوسطة الأجل، وتمويل القطاعات المرتبطة بتنويع الاقتصاد السعودي، والشركات المصرية المتوسطة العاملة في التصدير وسلاسل الإمداد واللوجستيات والسياحة، محذرًا من أن ارتفاع عوائد الخزانة الأمريكية سيزيد كلفة التمويل حتى للمصدرين الأقوياء، بينما سيبقي التضخم المرتفع في مصر خفض أسعار الفائدة مقيدًا ويزيد حساسية سعر الصرف لأي خروج من أدوات الدين.
رأس المال ينقسم ولا ينسحب
واختتم سامر شقير قائلًا: إن الاتجاه حتى نهاية 2026 لا يشير إلى انسحاب رأس المال من المنطقة، بل إلى انقسامه وفق القدرة على إدارة المخاطر، مضيفًا أن الخليج يحتفظ بجاذبية التمويل الدولي بفضل الحجم والسيولة والجودة الائتمانية، بينما تختبر مصر قدرتها على استبدال جزء من تدفقات المحفظة قصيرة الأجل برأس مال خاص مرتبط بالإنتاج والتصدير.
وقال شقير: إن الاختبار الحقيقي ليس في ملاحقة أعلى عائد هذا الأسبوع، بل في معرفة أين يمكن إعادة تدوير رأس المال من دون فقدان القدرة على الخروج، الخليج يعيد تمويل نفسه في سوق عالمية متوترة، ومصر تحاول بناء مصادر تمويل أقل تقلبًا، الفائز هو مَن يتعامل مع كلفة المال كأداة للانضباط في تخصيص الأصول، لا كإشارة للخروج من المنطقة.

