الأربعاء 4 نوفمبر 2026 06:06 مـ 23 جمادى أول 1448 هـ
×

سامر شقير يكتب: لماذا تتكرر أخطاء المستثمرين رغم تبدل الأسواق؟

الأربعاء 4 نوفمبر 2026 04:55 مـ 23 جمادى أول 1448 هـ
رائد الاستثمار-سامر شقير
رائد الاستثمار-سامر شقير

تتغير الأسواق باستمرار؛ تظهر أدوات استثمارية جديدة، وتتبدل المؤشرات، وتتسارع التكنولوجيا، وتتصدر أحداث مختلفة المشهد المالي كل أسبوع، لكن خلف هذه التحولات، تظل مجموعة من السلوكيات البشرية قادرة على تكرار الأخطاء الاستثمارية نفسها، مهما اختلفت أسماء الأصول أو طبيعة الأسواق.

هذه هي الفكرة المحورية التي يناقشها مورغان هاوسل في كتابه «كما كان دائمًا» الصادر عام 2023، امتدادًا لما طرحه في «سيكولوجية المال»، فالناس، رغم التطور الاقتصادي والتكنولوجي، لا يتغيرون بالسرعة نفسها التي تتغير بها الأسواق، يبالغون في تقدير قدراتهم بعد تحقيق المكاسب، ويتبعون سلوك الآخرين عندما يرتفع مستوى عدم اليقين، ويقللون من دور الحظ في نجاحاتهم، ثم يطلبون عوائد أعلى دون الاستعداد لتحمل مخاطر إضافية.

هذه السلوكيات ليست مرتبطة بأزمة مالية بعينها أو بفترة زمنية محددة؛ إنها أنماط متكررة تحركها دوافع إنسانية راسخة، مثل الخوف من تفويت الفرص، والنفور من الخسارة، والرغبة في إثبات القدرة على قراءة السوق قبل الآخرين.

الطروحات السعودية.. عندما يتحول الإقبال إلى إشارة مضللة

في الأسواق الخليجية، تظهر هذه السلوكيات بأدوات مختلفة، فقد شهدت بعض الطروحات الأولية في السعودية خلال 2025 مستويات تغطية مرتفعة للغاية، وصلت في بعض الحالات إلى عشرات أو مئات المرات، لكن عددًا كبيرًا من الأسهم أنهى عامه الأول دون سعر الطرح، وفق التحليلات المشار إليها في 2026.

تكشف هذه التجربة عن فارق مهم بين الطلب على الأسهم في مرحلة الاكتتاب والقيمة الاستثمارية للشركة بعد الإدراج، فالتغطية المرتفعة قد تعكس جاذبية الطرح أو محدودية الأسهم المتاحة أو رغبة المستثمرين في اقتناص فرصة سريعة، لكنها لا تثبت وحدها أن التقييم عادل أو أن الشركة قادرة على تحقيق تدفقات نقدية تبرر سعرها.

المشكلة تبدأ عندما يتحول سلوك الآخرين إلى أساس للقرار، فالمستثمر يرى الإقبال الكبير، ويخشى أن يفوته الاكتتاب، فيشارك دون أن يمنح التقييم والتدفقات النقدية والقدرة التشغيلية الاهتمام الكافي، وبعد الإدراج، يتغير السؤال من كيفية الحصول على الأسهم إلى ما إذا كانت قيمتها تستحق السعر المتداول.

هنا تظهر قاعدة لا تتغير: ازدحام المستثمرين عند باب الفرصة لا يعني بالضرورة أن القيمة الحقيقية موجودة في الداخل.

اختبار «هذه المرة مختلفة»

من واقع قراءة دورات الأسواق، أرى أن أحد أهم الأسئلة التي ينبغي طرحها قبل زيادة حجم أي استثمار هو: هل أعتمد على عوامل قابلة للاستمرار، أم على اعتقاد بأن الظروف الحالية استثنائية ولن تتكرر؟

عندما يستند القرار إلى عبارات مثل «الطلب لن يتوقف»، أو «هذه فرصة لا تتكرر»، أو «التغطية غير مسبوقة»، يصبح من الضروري اختبار ما إذا كانت هذه التوقعات مدعومة بأساسيات اقتصادية وتشغيلية، أم أنها مجرد انعكاس لحالة التفاؤل الجماعي.

لا يعني ذلك تجاهل المتغيرات الجديدة أو التقليل من أثر التكنولوجيا والتحولات الاقتصادية، بل التمييز بين ما تغير فعلًا وما بقي ثابتًا، فقد تتغير أدوات الاستثمار، لكن مبادئ التقييم والانضباط وإدارة المخاطر تظل ضرورية، وقد تظهر فرص لم تكن موجودة من قبل، لكن ذلك لا يجعل كل سعر مرتفع مبررًا، ولا يحول الإقبال الجماعي إلى ضمان للعائد.

رأس المال يحتاج إلى فهم السلوك قبل مطاردة العناوين

بالنسبة إلى المستثمرين المؤسسيين، تكتسب هذه القراءة أهمية خاصة عند تخصيص رأس المال في أسواق تتسم بتسارع الفرص وتعدد فئات الأصول، فالتقييم الجيد لا يتوقف عند تحليل الشركة أو العقار أو القطاع، بل يمتد إلى فهم سلوك المستثمرين الآخرين، ومصادر الطلب، ومدى استدامة التدفقات النقدية، والقدرة على تحمل التقلبات.

والقاعدة التي أستخلصها من طرح هاوسل هي ألا نبني حجم الاستثمار على افتراض أن ما يحدث اليوم استثناء من قواعد السوق، بل على أسس تظل صالحة حتى إذا عادت الظروف إلى طبيعتها، فالمستثمر لا يحتاج إلى توقع كل تغير، بقدر حاجته إلى بناء محفظة تستطيع التعامل مع التغيرات التي لم يتوقعها.

الأسواق تتبدل في تفاصيلها، لكن الأخطاء التي تنشأ من الخوف والطمع والثقة المفرطة لا تتغير كثيرًا، ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية قبل اتخاذ قرار استثماري ليس فقط: ما الذي يجعل هذه الفرصة مختلفة؟ بل أيضًا: ماذا سيحدث لاستثماري إذا اتضح أنها ليست مختلفة على الإطلاق؟

موضوعات متعلقة