الخميس 29 أكتوبر 2026 05:37 مـ 17 جمادى أول 1448 هـ
×

سامر شقير يكتب: ما الذي تُخبرنا به أرقام الأجانب عن مستقبل السوق السعودية؟

الخميس 29 أكتوبر 2026 01:39 مـ 17 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

أرى أن تراجع صافي بيع المستثمرين الأجانب في السوق السعودية بنسبة 85% خلال الأسبوع المنتهي في 22 أكتوبر، ليصل إلى 142 مليون ريال، يمثل إشارة تستحق المتابعة، خصوصًا أنه جاء بعد 14 أسبوعًا متتاليًا من صافي البيع، وسجل أدنى مستوى منذ أغسطس، لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الضغوط البيعية قد تراجعت، بل ما إذا كان هذا التراجع مقدمة لتحول مستدام في تدفقات رأس المال نحو السوق السعودية.
تعكس البيانات تحسنًا نسبيًّا في الطلب الأجنبي، إذ ارتفعت المشتريات إلى نحو 7.88 مليار ريال، بزيادة 15%، مقابل نمو المبيعات بنسبة 3% فقط، وهذا الفارق يشير إلى أن انحسار صافي البيع جاء أساسًا من تسارع المشتريات، وليس من تراجع حاد في عمليات البيع، ومع ذلك، لا أرى أن هذه المؤشرات تكفي وحدها للحديث عن عودة الثقة الأجنبية أو انتهاء موجة التصحيح، فالمستثمرون الأجانب ما زالوا بائعين صافين، وإن بوتيرة أقل.

تراجع الضغوط لا يعني انتهاء المخاطر
تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه مؤشر السوق السعودية الرئيسية «تاسي» ضغوطًا ممتدة، بعدما سجل ثمانية أسابيع متتالية من التراجع، في أطول سلسلة أسبوعية من نوعها منذ ديسمبر 1994، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير، وتكشف هذه السلسلة أن حركة السوق لا تتحدد بتدفقات المستثمرين وحدها، بل تتأثر أيضًا بتقييم المخاطر الجيوسياسية، وأداء الأسهم القيادية، وتوقعات السيولة العالمية.
في المقابل، بدأت خريطة التدفقات المحلية تتغير، فقد تحول المستثمرون الأفراد السعوديون إلى صافي البيع بنحو 74 مليون ريال، للمرة الأولى بعد سبعة أسابيع متتالية من الشراء، امتصوا خلالها نحو 6.1 مليار ريال من صافي مبيعات الأجانب، وفي المقابل، واصلت المؤسسات المحلية الشراء بصافي بلغ 458 مليون ريال، ليصل إجمالي صافي مشترياتها خلال الأسابيع الأربعة عشر الماضية إلى نحو 6.3 مليار ريال.
أقرأ هذا التباين باعتباره مؤشرًا إلى اختلاف الأفق الاستثماري بين فئات المتعاملين، فالمؤسسات المحلية تبدو أكثر استعدادًا للتعامل مع التراجعات من منظور طويل الأجل، بينما تتأثر التدفقات الأجنبية بدرجة أكبر بالتغيرات في علاوات المخاطر والسيولة الدولية، لكن هذا لا يعني أن المؤسسات المحلية محصنة من الخسائر، أو أن كل تراجع في الأسعار يمثل فرصة شراء؛ إذ تظل جودة الأصول وتقييماتها وقدرتها على توليد التدفقات النقدية عوامل حاسمة في القرار الاستثماري.

الإصلاحات تفتح الباب أمام رأس المال الأجنبي
لا يمكن فصل حركة المستثمرين عن التطورات التنظيمية التي شهدتها السوق السعودية، بما في ذلك إتاحة الاستثمار المباشر للأجانب في السوق الرئيسية منذ فبراير، وتخفيف قيود التملك في الشركات المدرجة، فهذه الإجراءات تستهدف توسيع قاعدة المستثمرين وتعزيز جاذبية السوق، لكنها تحتاج إلى وقت حتى تنعكس بصورة مستدامة على التدفقات الفعلية.
وارتفعت حصة المستثمرين الأجانب من إجمالي المشتريات إلى 41.8%، مقابل 42.6% من المبيعات، وأرى أن هذه الأرقام تعكس استمرار الحضور الأجنبي القوي في جانبي التداول، رغم بقاء المحصلة في اتجاه البيع، كما أن انتقال المستثمرين الخليجيين إلى صافي بيع بلغ نحو 242 مليون ريال يوضح أن الضغوط لا تقتصر على فئة واحدة من المستثمرين.
من منظور تخصيص رأس المال، لا أقيس جاذبية السوق بحجم المشتريات الأجنبية في أسبوع واحد، بل بقدرتها على استقطاب استثمارات مستقرة وطويلة الأجل، ويتطلب ذلك وضوحًا في الرؤية الاقتصادية، وعمقًا في السوق، وفرصًا استثمارية تتناسب عوائدها المتوقعة مع المخاطر التي يتحملها المستثمر.

أين تكمن الفرص الاستثمارية؟
في تقديري، ينبغي للمستثمرين المؤسسيين التعامل مع المرحلة الحالية من خلال الانتقائية، لا التوسع في بناء المراكز اعتمادًا على تحسن أسبوعي في التدفقات، وقد تستفيد القطاعات ذات الوزن الكبير في السوق، مثل البنوك والمواد الأساسية والاتصالات، من أي تحسن مستدام في الطلب المؤسسي، لكن أداء كل قطاع سيظل مرتبطًا بأساسيات شركاته وتقييماتها وتوقعات أرباحها.
كما أرى أهمية مراقبة الشركات المرتبطة بمسار التنويع الاقتصادي السعودي في إطار رؤية 2030، ولا سيما الأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والتحولات الهيكلية، غير أن الارتباط بمشروعات التنويع لا يمثل ضمانًا لتحقيق عوائد مجزية؛ فالفرصة الحقيقية تكمن في الشركات القادرة على تحويل النمو الاقتصادي إلى إيرادات مستدامة وتدفقات نقدية، مع الاحتفاظ بميزانيات متينة ومستويات دين قابلة للإدارة.
لذلك، أفضِّل التركيز على الشركات التي تظهر مرونة تشغيلية في مواجهة تقلبات السوق، وتتمتع بقدرة واضحة على حماية هوامش الربحية، بدلًا من الاعتماد على التراجعات السعرية وحدها باعتبارها مبررًا للشراء.

هل تقترب السوق من تحول هيكلي؟
تتحرك السوق السعودية ضمن بيئة إقليمية أوسع شهدت ضغوطًا على تدفقات الاستثمار الأجنبي، ما يجعل استعادة الثقة مرتبطة أيضًا بمسار التوترات الجيوسياسية وتطورات الأسواق العالمية، ويمنح استمرار المؤسسات المحلية في الشراء السوقَ دعمًا مهمًا، لكنه لا يكفي وحده لضمان انعكاس الاتجاه، خصوصًا إذا اتسعت عمليات البيع بين الأفراد أو تجددت الضغوط الأجنبية.
أرى أن السيناريو الأقرب في المرحلة الحالية هو استمرار إعادة التوازن التدريجي، مع بقاء المستثمرين أكثر انتقائية في قراراتهم، أما الانتقال إلى صافي شراء أجنبي مستدام، فيحتاج إلى استمرار نمو المشتريات لعدة أسابيع، وتحسن أوسع في أداء السوق، وتراجع الضغوط الجيوسياسية التي تؤثر في قرارات تخصيص الأصول.
في النهاية، يمثل انحسار صافي البيع الأجنبي بنسبة 85% إشارة إيجابية على مستوى التدفقات، لكنه ليس دليلًا كافيًا على انعكاس الاتجاه، ومن وجهة نظري، فإن القرار الاستثماري الأكثر انضباطًا هو الحفاظ على السيولة اللازمة لاقتناص الفرص، والتركيز على جودة الشركات وقوة تدفقاتها النقدية، مع متابعة تطورات الملكية الأجنبية وسلوك المؤسسات المحلية خلال الأسابيع المقبلة.
فاستعادة السوق السعودية لجاذبيتها الاستثمارية لا تُقاس بأسبوع واحد من تراجع المبيعات، بل بقدرتها على تحويل التحسن المؤقت في التدفقات إلى ثقة مستدامة، مدعومة بأساسيات اقتصادية وشركات قادرة على تحقيق عوائد تتناسب مع المخاطر.