سامر شقير: معرض الرياض الدولي للكتاب يعيد تسعير صناعة المحتوى في الاقتصاد السعودي
أكد رائد الاستثمار سامر شقير أن معرض الرياض الدولي للكتاب أصبح يتجاوز كونه فعالية ثقافية سنوية، ليتحول تدريجيا إلى منصة اقتصادية لاختبار الطلب وتداول حقوق الملكية الفكرية وتحفيز قطاعات النشر والترجمة والتعليم والتجزئة والضيافة والخدمات الرقمية في المملكة.
ويأتي ذلك مع استعداد هيئة الأدب والنشر والترجمة لدورة معرض الرياض الدولي للكتاب 2026، المقرر إقامتها في العاصمة خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر، بعد أن سجلت دورة 2025 أكثر من 1.38 مليون زائر، بزيادة بلغت 37 في المئة على أساس سنوي، مع ارتفاع المبيعات بنسبة 20 في المئة، ومشاركة أكثر من ألفي دار نشر ووكالة من أكثر من 25 دولة.
وقال سامر شقير إن هذه الأرقام تعكس تحولا في طبيعة السوق، موضحًا أن "المستثمر المؤسسي يخطئ إذا تعامل مع معرض الكتاب كعطلة تجزئة. هو في حقيقته سوق جملة للحقوق والأفكار، والبيع المباشر للجمهور ليس سوى الطبقة الظاهرة من الدورة الاقتصادية".
وأشار سامر شقير إلى أن القيمة الاستثمارية الأهم للمعرض لا تكمن فقط في مبيعات الكتب خلال أيام الفعالية، وإنما في الاتفاقيات التي يمكن أن تنشأ حول الترجمة والتوزيع الرقمي والمحتوى التعليمي وحقوق الاقتباس والمحتوى الموجه للأطفال، باعتبارها قنوات قادرة على تحويل الكتاب من منتج موسمي إلى أصل يدر إيرادات متكررة.
وأوضح سامر شقير أن منطقة الأعمال في دورة 2025 سجلت أكثر من 55 اتفاقية، إلى جانب أكثر من 10,500 استشارة متخصصة في مجالات النشر والتسويق وإدارة الحقوق، ضمن برنامج أعمال تجاوز 45 فعالية، وهو ما يعزز موقع المعرض كمنصة مهنية وتجارية إلى جانب دوره الثقافي.
ويرى سامر شقير أن الإعلان المبكر عن دورة 2026 يتيح لدور النشر والوكالات وشركات الخدمات التخطيط للمخزون والشحن والترجمة والبرامج المصاحبة، كما يوفر لشركات الضيافة والنقل والتجزئة مؤشرا مبكرا على الطلب المتوقع في العاصمة خلال ديسمبر.
وقال: "تخصيص رأس المال في الاقتصاد الإبداعي السعودي ما زال منحازا إلى الأصول المرئية الكبرى، مثل الترفيه الحي والوجهات، على حساب طبقات الحقوق والتوزيع التي تصنع العائد المركب. الكتاب أقل بريقا في العرض التقديمي، لكنه يمكن أن يكون أعلى كثافة في تكرار الاستخدام إذا بنيت حوله منصة وليس موسما".
وأشار سامر شقير إلى أن نمو قطاع النشر والترجمة يتقاطع مع مستهدفات رؤية 2030 الخاصة بتنويع الاقتصاد وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، موضحًا أن التحول الحقيقي يقاس بقدرة السوق على تحويل المؤلف إلى أصل قابل للترخيص، والكتاب إلى منتج متعدد الاستخدامات يشمل النسخة الورقية والصوتية والرقمية والتعليمية والمحتوى المرئي.
وأضاف أن الفرص الاستثمارية الأكثر قابلية للتوسع تتركز في أربعة مسارات رئيسية، تشمل حقوق الملكية الفكرية والوكالات الأدبية، والنشر التعليمي ومحتوى الأطفال، والبنية الرقمية للكتب والتوزيع والاشتراكات والكتب الصوتية، إضافة إلى الخدمات المساندة مثل اللوجستيات والطباعة حسب الطلب والمدفوعات والضيافة.
وأوضح أن قطاع التعليم يمثل فرصة هيكلية، في ظل الطلب على المحتوى التعليمي والترجمة المتخصصة والعناوين المرجعية، بينما يوفر المحتوى الموجه للأطفال فرصة لبناء منتجات ذات عمر تجاري أطول وقابلية للتوسع عبر المدارس والمنصات الرقمية.
ولفت إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعيد تشكيل اقتصاد صناعة النشر من خلال تحسين اكتشاف المحتوى وتوصية القراء بالكتب المناسبة وتحليل أنماط الطلب، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات تتعلق بحقوق الملكية الفكرية والقرصنة وتتبع المحتوى الرقمي.
وأكد سامر شقير أن نجاح معرض الرياض الدولي للكتاب لا ينبغي أن يقاس بعدد الزوار وحده، لأن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الحركة الموسمية إلى صناعة مستمرة قادرة على إنتاج إيرادات طوال العام.
وقال: "في دورات أسعار الفائدة المرتفعة نسبيا، رأس المال يصبر أقل على قصص النمو التي لا تظهر وحدة اقتصاد واضحة. صناعة الثقافة السعودية تحتاج إلى مؤشرات تشغيل مثل الإيراد لكل عنوان، ومعدل تجديد الاشتراكات، وقيمة كتالوج الحقوق، وليس إلى سردية الازدحام فقط".
وأشار إلى أن الضيافة والتجزئة والنقل تستفيد من كثافة الزوار خلال فترة المعرض، إلا أن الفرصة الأكبر تكمن في الشركات التي تستطيع تكرار النموذج خارج أيام الفعالية وربط الطلب الثقافي بسلاسل إيرادات مستمرة.
كما يرى أن اختيار سوريا ضيف شرف للدورة المقبلة يمكن أن يفتح مساحات جديدة للتبادل الثقافي والترجمة وتداول الحقوق العربية، بما يعزز موقع الرياض كمركز إقليمي لصناعة المحتوى وتوزيعه.
وأوضح أن الفرصة المتاحة أمام الصناديق الخاصة والعائلية لا تتمثل بالضرورة في الاستثمار المباشر في دور نشر منفردة، وإنما في بناء منصات متكاملة تجمع وكالة الحقوق والتوزيع الرقمي والمحتوى التعليمي ومحتوى الأطفال، بما يسمح بمعالجة مشكلة تفتت القطاع وخلق كيانات قابلة للتوسع والاستحواذ.
واختتم سامر شقير قائلا: "إذا أرادت الرياض أن تكون عقدة معرفة لا عقدة حضور، فالمعيار ليس عدد الزوار في ديسمبر، بل كم من تلك الزيارة يتحول إلى إيراد متكرر في يناير".
وأكد أن معرض الرياض الدولي للكتاب يمثل مؤشرا مهما على تطور الاقتصاد الإبداعي السعودي، لكن المرحلة المقبلة ستحددها قدرة القطاع على تحويل الجمهور والفعاليات والصفقات الثقافية إلى أصول حقوقية ورقمية وتعليمية قادرة على إنتاج قيمة اقتصادية مستدامة، بما ينسجم مع التحول الأوسع في الاقتصاد السعودي نحو قطاعات المعرفة والمحتوى والصناعات الإبداعية.

