سامر شقير: إرث تيم كوك يُعيد تعريف قيمة أبل بعد تجاوزها 4.7 تريليون دولار
بعد 15 عامًا على تولي تيم كوك قيادة أبل في أغسطس 2011، تحولت الشركة من عملاق للأجهزة مرتفع الهوامش إلى واحدة من أكبر مولدات النقد في الأسواق العالمية، وارتفع سهمها بأكثر من 20 ضعفًا على أساس معدل للتجزئة، بينما قفزت قيمتها السوقية من نحو 350 مليار دولار إلى أكثر من 4.7 تريليون دولار، بعدما لامست مؤقتًا مستوى 5 تريليونات دولار.
لكن رائد الاستثمار سامر شقير يرى أن الأهم من تضاعف القيمة السوقية هو التحول في نموذج الأعمال نفسه، بعدما تجاوزت إيرادات الخدمات 109 مليارات دولار في السنة المالية 2025، بهامش إجمالي يقترب من ثلاثة أرباع الإيرادات، وبذلك أصبحت أبل أقل اعتمادًا على دورة الأجهزة وأكثر اعتمادًا على اقتصاد المنصة والتدفقات النقدية المتكررة.
من شركة أجهزة إلى آلة نقدية
عندما تسلم كوك الإدارة، كانت أبل تحقق إيرادات تقارب 108 مليارات دولار وصافي دخل يقل عن 26 مليارًا، بينما كانت قيمتها السوقية دون 350 مليار دولار، وبعد 15 عامًا، تجاوزت الإيرادات 416 مليار دولار في السنة المالية 2025، وارتفع صافي الدخل إلى أكثر من 112 مليار دولار.
وأشار سامر شقير، إلى أن أبل أعادت للمساهمين أكثر من تريليون دولار عبر إعادة شراء الأسهم والتوزيعات منذ 2012، ما جعل إدارة رأس المال جزءًا أساسيًّا من قصة الاستثمار، وليس مجرد نتيجة ثانوية لنمو المبيعات.
وأضاف شقير أن نجاح كوك جاء عبر إدارة شركة ناضجة خلال دورات مختلفة لأسعار الفائدة والطلب الاستهلاكي، بدلًا من الاعتماد على موجة نمو واحدة، وهذا ما جعل أبل أقرب إلى «مركّب نقدي» داخل قطاع التكنولوجيا، بدلًا من كونها مجرد سهم نمو.
الخدمات تعيد تسعير السهم
كانت النقلة الأكبر في مزيج الإيرادات، فالآيفون ظل يمثل نحو نصف المبيعات، لكنه أصبح جزءًا من منظومة أوسع تقودها الخدمات.
وتجاوزت إيرادات الخدمات 109 مليارات دولار في السنة المالية 2025، بينما تراوحت الإيرادات الفصلية الأخيرة للقطاع حول 30 إلى 31 مليار دولار، مع هامش إجمالي يتجاوز 75%، مقارنة بهامش منتجات أقرب إلى منتصف الثلاثينيات.
ورأى سامر شقير أن هذا التحول يغير طريقة تقييم أبل، فشركة الأجهزة تُسعّر وفق دورات الاستبدال وسلاسل التوريد والطلب الجغرافي، بينما تُسعّر شركة المنصة وفق قاعدة الأجهزة النشطة والاشتراكات وتكلفة انتقال المستخدم إلى نظام منافس.
ومع قاعدة أجهزة تتجاوز 2.5 مليار جهاز واشتراكات مدفوعة تفوق 1.5 مليار، أصبح لكل جهاز مباع قيمة اقتصادية تمتد إلى ما بعد عملية الشراء الأولى.
كوك لم يحاول أن يكون جوبز
أوضح سامر شقير أن أحد أهم دروس أبل الاستثمارية أن كوك لم يحاول تقليد ستيف جوبز، بل أعاد تعريف وظيفة الرئيس التنفيذي في مرحلة النضج.
وقال شقير: إن الإدارة ركزت على حماية التسعير، وإحكام سلاسل التوريد، وتوسيع الخدمات، واستثمار الفائض النقدي في إعادة شراء الأسهم، مع تجنب صفقات استحواذ ضخمة أو مشاريع رأسمالية كثيفة لا يظهر عائدها بوضوح على المدى المتوسط.
وهذا النموذج يفسر جزئيًّا قدرة أبل على توليد عوائد للمساهمين حتى عندما تخلف السهم عن بعض منافسيه في موجات الذكاء الاصطناعي.
فالمستثمر المؤسسي لا يقارن فقط سرعة الابتكار، بل يقيس العائد على رأس المال المستثمر وقدرة الشركة على تحويل الإيرادات إلى تدفقات نقدية حرة قابلة للتوزيع.
الذكاء الاصطناعي يختبر إرث كوك
مع انتقال القيادة إلى جون تيرنوس في مطلع سبتمبر 2026، ينتقل الاختبار من الإدارة المالية إلى التكنولوجيا.
اختارت أبل مسارًا أكثر تحفظًا في الذكاء الاصطناعي، واعتمدت جزئيًّا على شراكات خارجية لتسريع بعض القدرات، بدلًا من الدخول في سباق إنفاق ضخم على مراكز البيانات والبنية التحتية كما فعل منافسون آخرون.
ويرى سامر شقير أن هذا الخيار يحمي التدفق النقدي والهامش على المدى القصير، لكنه يخلق خطرًا استراتيجيًّا إذا أصبح الذكاء الاصطناعي عاملًا رئيسيًّا في قرار شراء الأجهزة.
وقال شقير: إن قيمة أبل لا تتحدد بعدد النماذج التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على تحويل قاعدة المستخدمين إلى اقتصاد رقمي عالي الهامش، واعتبر أن «المنتج يفتح السوق، أما الحوكمة التشغيلية فهي التي تقرر إن كان السوق سيتحول إلى أصل دائم في المحفظة».
نموذج لتخصيص رأس المال
قدمت أبل تحت قيادة كوك نموذجًا واضحًا لتخصيص رأس المال في الشركات التقنية الناضجة: إنفاق تشغيلي منضبط، واستثمارات انتقائية في تصميم الرقائق وسلاسل A وM، وتجنب الاستحواذات التحولية الكبرى، إلى جانب استخدام الميزانية العمومية لإعادة شراء الأسهم، والنتيجة كانت ارتفاع ربحية السهم بوتيرة تفوق نمو الإيرادات في سنوات عديدة.
وأشار سامر شقير إلى أن هذا النموذج يجذب صناديق التقاعد والثروة السيادية التي تبحث عن مزيج من النمو والتوزيعات، لكنه يعتمد في المقابل على استمرار قاعدة المستخدمين وقوة اقتصاد متجر التطبيقات.
أي تراجع هيكلي في عمولات المتجر أو ضعف في قدرة أبل على الحفاظ على النظام المغلق قد يضغط مباشرة على تقييم الخدمات وعلى معدل الخصم الذي يستخدمه المستثمرون في نماذجهم.
المخاطر بعد 5 تريليونات دولار
رغم قوة النموذج، فإن المخاطر أصبحت أكثر أهمية مع وصول القيمة السوقية إلى نطاق 4.7–5 تريليونات دولار.
ويأتي في مقدمتها استمرار اعتماد الشركة على الآيفون، خصوصًا أمام أي تباطؤ في دورة الاستبدال أو ضعف الطلب في الصين، إضافة إلى الضغوط التنظيمية على متجر التطبيقات في الولايات المتحدة وأوروبا.
كما تمثل تكاليف الذاكرة والقيود اللوجستية عوامل ضغط محتملة على الهوامش، فيما يضيف انتقال القيادة إلى تيرنوس سؤالًا جديدًا حول التوازن بين الهندسة والخدمات.
ويرى سامر شقير أن التقييم المرتفع يعني أن السوق يسعّر مسبقًا استمرار نمو الخدمات وقوة التسعير. وأي تباطؤ ملموس في الاشتراكات أو ترقيات الأجهزة قد يدفع السهم من خانة «مركب الجودة» إلى شركة تقنية ناضجة ذات نمو أكثر اعتدالًا.
الدرس السعودي
يمتد درس أبل إلى اقتصادات الخليج التي تعمل على بناء منصات وطنية في التقنية والمدفوعات والسياحة والترفيه ضمن رؤية 2030.
وأشار سامر شقير إلى أن إطلاق منتج استهلاكي ناجح لا يكفي وحده لجذب رأس المال المؤسسي، القيمة الأكبر تظهر عندما يتحول المنتج إلى منظومة تضم اشتراكات وبيانات ومدفوعات وخدمات متكررة.
وقال شقير: إن الصناديق لا تشتري قصة ابتكار مجردة، بل تشتري قدرة المشروع على تحويل الابتكار إلى نقد تشغيلي، ثم إعادة توزيعه أو استثماره وفق قواعد حوكمة واضحة.
ما بعد كوك
في السيناريو الأساسي، تستمر أبل كشركة مركبة: الأجهزة تمول قاعدة المستخدمين، والخدمات ترفع الهوامش والتقييم، وإعادة الشراء تدعم ربحية السهم.
أما السيناريو الإيجابي، فيتحقق إذا نجح تيرنوس في دمج الذكاء الاصطناعي داخل دورة الآيفون بما يحفز الترقيات دون التضحية بالهوامش.
في المقابل، يظهر السيناريو الضاغط إذا تباطأ نمو الخدمات بالتزامن مع تشديد القيود التنظيمية، لتتحول أبل تدريجيًّا إلى شركة ناضجة ذات نمو أحادي الرقم.
الأفق الاستراتيجي
اختتم سامر شقير بأن إرث تيم كوك لا يجب أن يُقاس بمقارنته مع ستيف جوبز، بل بقدرته على تحويل منتج استثنائي إلى نظام اقتصادي مستدام.
فجوبز أعاد تعريف المنتج والسوق، بينما حوّل كوك هذا السوق إلى منظومة تدفقات نقدية متكررة وإعادة توزيع منضبطة لرأس المال.
وأشار شقير إلى أن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة سيكون بسيطًا: هل يظل كل جهاز جديد بوابة لإيرادات خدمات أعلى هامشًا، أم تعود أبل إلى الاعتماد بصورة أكبر على دورة الأجهزة؟ مؤكدًا أن الإجابة لن تحدد مستقبل أبل وحدها، بل ستؤثر أيضًا في طريقة تقييم شركات التقنية الناضجة، وفي وزن أسهم النمو الدفاعية داخل محافظ صناديق الثروة والمؤسسات حول العالم.

