تداعيات التَّحوُّل في النظام العالمي على تخصيص رأس المال.. سامر شقير يقرأ ملامح الاستثمار
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن النظام الاقتصادي العالمي يمر بمرحلة إعادة تشكيل غير مسبوقة، مدفوعة بتغيُّر طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، موضحًا أن السياسات الحمائية وإعادة تعريف التحالفات الدولية أصبحت تمثل مخاطر هيكلية تؤثر بصورة مباشرة في حركة التجارة العالمية وتدفقات رؤوس الأموال.
وأوضح شقير، أن هذا التحول، الذي يتجسد في تصاعد التوترات التجارية مع كندا وعدد من الشركاء الاقتصاديين، يدفع المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة النظر في الاعتماد الكبير على الأسواق الأمريكية، في الوقت الذي تظهر فيه فرص استثمارية جديدة داخل الأسواق الأكثر تنوعًا والقطاعات المرتبطة بالطاقة والتحول الرقمي والبنية التحتية، خاصة في الاقتصادات التي تتبنى برامج تنويع طويلة الأجل، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ضمن مستهدفات رؤية 2030، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب اعتماد استراتيجيات أكثر مرونة في تخصيص رأس المال، بما يتوافق مع التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي.
النظام العالمي يدخل مرحلة جديدة لإعادة تسعير المخاطر
وأشار سامر شقير، إلى أن تغيُّر نهج الولايات المتحدة تجاه حلفائها التقليديين فرض واقعًا استثماريًّا مختلفًا على الأسواق الدولية، موضحًا أن استمرار السياسات التي تمنح الأولوية للمصالح الداخلية الأمريكية على حساب الالتزامات الدولية دفع المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية داخل محافظهم الاستثمارية.
وأضاف شقير، أن القضية لم تعد مرتبطة بدورة اقتصادية قصيرة الأجل، بل أصبحت تتعلق بمستقبل النظام التجاري العالمي القائم على القواعد، وانعكاس ذلك على حركة رؤوس الأموال العابرة للحدود.
التوترات التجارية تعيد تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي
وأوضح سامر شقير، أن التطورات الأخيرة في العلاقات الأمريكية الكندية، بما في ذلك التهديدات بفرض رسوم جمركية على صادرات كندية تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، عكست اتجاهًا أوسع لإعادة تعريف الشراكات الدولية، مؤكدًا أن هذا الاتجاه لم يعد مقتصرًا على أمريكا الشمالية، بل امتد إلى أوروبا وآسيا مع تراجع الثقة في الالتزامات التقليدية بين الحلفاء.
وأشار شقير، إلى أن هذه التطورات رفعت علاوات المخاطر على الأصول المرتبطة بالتجارة عبر الأطلسي، كما ساهمت في زيادة تقلبات العملات والسلع الأساسية.
ولفت شقير، إلى أن هذه المتغيرات أعادت توزيع النفوذ الاقتصادي عالميًّا، حيث أصبحت الدول التي تمتلك موارد طاقة مستقرة، أو قدرات صناعية مرنة، أو أسواقًا استهلاكية نامية، في موقع تفاوضي أكثر قوة.
وأكد شقير، أن المستثمرين المؤسسيين بدأوا يدركون تدريجيًّا أن الاعتماد الأحادي على السوق الأمريكية لم يعد يمثل الخيار الأمثل في بيئة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين السياسي، وأن التنويع الجغرافي أصبح ضرورة أساسية لإدارة المخاطر طويلة الأجل.
تأثير التحولات على الأسواق العالمية
ورأى سامر شقير، أن استمرار النهج الحمائي سيؤثر سلبًا في القطاعات التي تعتمد بصورة كبيرة على سلاسل الإمداد العابرة للحدود، مثل قطاعات السيارات والآلات والمواد الأساسية.
وأوضح شقير، أن الشركات العاملة داخل الأسواق المحلية الكبرى، إضافة إلى القطاعات المرتبطة بالإنفاق الدفاعي والبنية التحتية السيادية، قد تكون من أبرز المستفيدين خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف شقير، أن أسواق الدخل الثابت قد تشهد زيادة في الطلب على السندات السيادية للدول التي تمتلك فوائض تجارية قوية وعملات احتياطية متنوعة، نتيجة ارتفاع مستويات عدم اليقين.
وفي أسواق السلع، أكد شقير أن الطاقة ستظل محورًا رئيسيًّا في معادلة الاستثمار، موضحًا أن أي اضطراب في التحالفات التقليدية يعزز أهمية المنتجين المستقلين، ويفتح المجال أمام توقيع عقود طويلة الأجل أكثر مرونة.
وأشار شقير، إلى أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي يخلق مسارات استثمارية جديدة أقل ارتباطًا بالتجارة التقليدية، مع انتقال جزء متزايد من رؤوس الأموال نحو مراكز البيانات والبنية التحتية التقنية في المناطق التي تتمتع باستقرار تنظيمي وتكاليف طاقة تنافسية.
السعودية تستفيد من إعادة ترتيب الاقتصاد العالمي
وأوضح سامر شقير، أن هذه التحولات تتزامن مع تسارع تنفيذ رؤية المملكة 2030، التي تستهدف بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على النفط، عبر تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر والتوسع في قطاعات التصنيع والسياحة والابتكار.
وأشار شقير، إلى أن صندوق الاستثمارات العامة أصبح يمثل منصة استراتيجية لتوجيه رؤوس الأموال نحو القطاعات القادرة على الاستفادة من إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، سواء في الطاقة المتجددة أو التعدين أو الخدمات اللوجستية أو الاقتصاد الرقمي.
وأكد شقير، أن المملكة تمتلك حاليًا مزيجًا يجمع بين الاستقرار السياسي والطموح الاستثماري والقدرة على جذب رؤوس الأموال الباحثة عن ملاذات آمنة نسبيًّا في ظل التقلبات الجيوسياسية.
وأضاف شقير، أن توجيه الاستثمارات نحو مشاريع رؤية 2030 لا يمثل مجرد تنويع جغرافي للمحافظ الاستثمارية، بل يعكس رهانًا على نموذج نمو هيكلي يتماشى مع التحول نحو اقتصاد عالمي متعدد الأقطاب، مشيرًا إلى أن الصناديق الاستثمارية الخليجية الأخرى بدأت هي أيضًا في إعادة موازنة محافظها بعيدًا عن التركيز المفرط على الأصول الأمريكية التقليدية.
كيف يعيد المستثمرون المؤسسيون توزيع محافظهم؟
وأوضح سامر شقير، أن المستثمرين المؤسسيين يتعاملون مع هذه المتغيرات عبر ثلاثة محاور رئيسية.
أولها زيادة الوزن النسبي للأسواق الناشئة التي تتمتع بفوائض خارجية قوية.
وثانيها رفع مستوى التعرض للقطاعات الدفاعية والطاقة والبنية التحتية.
أما المحور الثالث فيتمثل في زيادة الاستثمار في الأصول الحقيقية والاستثمارات الخاصة، باعتبارها توفر قدرًا أكبر من الحماية أمام التقلبات السياسية قصيرة الأجل.
وأضاف شقير، أن أسواق الأسهم الخاصة ورأس المال الجريء ستشهد ارتفاعًا في جاذبية الشركات التي تعمل على بناء سلاسل توريد إقليمية أو تعتمد على تقنيات تقلل الاعتماد على الأسواق التقليدية، متوقعًا أيضًا تسارع نشاط الاندماجات والاستحواذات بهدف تأمين الوصول إلى الموارد والأسواق البديلة.
المخاطر والفرص الاستثمارية
وأكد سامر شقير، أن أبرز المخاطر تتمثل في تصاعد الحروب التجارية، واحتمال تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي نتيجة ارتفاع تكاليف التجارة، إضافة إلى إمكانية زيادة تقلبات أسعار الفائدة إذا اتجهت البنوك المركزية إلى تبني سياسات أكثر تحفظًا.
وأوضح شقير، أن الفرص الاستثمارية تتوسع في قطاعات الطاقة النظيفة، والخدمات اللوجستية الإقليمية، والتكنولوجيا المالية، والتصنيع المتقدم داخل الأسواق التي تتمتع بسياسات استثمارية مستقرة.
وأشار شقير، إلى أن تدفقات رؤوس الأموال ستواصل التوجُّه نحو الاقتصادات التي تجمع بين الإصلاحات الهيكلية والفوائض المالية، وهو ما يفسر تزايد اهتمام المستثمرين بأسواق الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
وأكد شقير، أن الفرص الحقيقية خلال المرحلة المقبلة لن تكون في محاولة التنبؤ بالتحولات السياسية قصيرة الأجل، وإنما في تحديد القطاعات القادرة على الاستفادة من إعادة ترتيب النظام الاقتصادي العالمي، مشددًا على أن المستثمر الناجح هو مَن يبني محفظة استثمارية مرنة قادرة على التكيف مع عالم متعدد المراكز الاقتصادية.
النظرة الاستراتيجية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن استمرار الاتجاهات الحالية سيقود، خلال الأجل المتوسط، إلى مزيد من التجزئة في النظام التجاري العالمي، مع بروز تكتلات اقتصادية إقليمية أكثر قوة وتأثيرًا.
وأوضح شقير، أن هذا الواقع سيدفع صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول إلى تبني استراتيجيات أكثر ديناميكية في تخصيص رأس المال، تجمع بين الاحتفاظ بجزء من الأصول الأمريكية التقليدية، مع زيادة التعرض للأسواق الآسيوية والخليجية والأسواق الناشئة المنتجة للسلع.
وأضاف شقير، أن الحوكمة والشفافية والاستدامة ستظل عوامل حاسمة في جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل، مؤكدًا أن الأسواق التي توفر بيئة تنظيمية واضحة وفرص نمو هيكلية ستكون الأكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات خلال السنوات المقبلة.
وأشار شقير، في ختام رؤيته، إلى أن الاقتصاد السعودي، مدعومًا برؤية 2030 وصندوق الاستثمارات العامة، يمثل أحد أبرز النماذج العالمية القادرة على استيعاب تدفقات رأس المال الباحثة عن تحقيق توازن مستدام بين العائد والمخاطر في عصر تتغير فيه قواعد الاقتصاد العالمي بصورة متسارعة.

