بوابة أبو الهول الاخبارية

سامر شقير يحلل: كيف تؤثر الانتخابات النصفية في تدفقات الاستثمار بين أمريكا والصين؟

الأربعاء 4 نوفمبر 2026 04:34 مـ 23 جمادى أول 1448 هـ
رائد الاستثمار-سامر شقير
رائد الاستثمار-سامر شقير

لا تتعامل بكين مع علاقتها بواشنطن باعتبارها ملفًا تجاريًّا منفصلًا عن حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية طويلة الأجل، فمن خلال استثمار الرئيس الصيني شي جين بينغ جهدًا سياسيًّا واضحًا في علاقته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال عام 2026، وعقد قمتين على الأقل مع توقع استمرار التواصل، تسعى الصين إلى ترسيخ صيغة يمكن وصفها بـ«علاقة بناءة من الاستقرار الاستراتيجي»، تمنحها مساحة لإدارة أولوياتها الداخلية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

في تقديري، لا يمثل هذا التقارب تراجعًا عن المنافسة بين القوتين، بل محاولة لإدارتها ضمن حدود أكثر قابلية للتوقع، فبكين تحتاج إلى بيئة خارجية أقل اضطرابًا لدعم إصلاحاتها الاقتصادية والعسكرية والاستعداد لاستحقاقاتها القيادية المقبلة، بينما يسعى ترامب إلى الحفاظ على مساحة تفاوضية مع الصين تخدم أولوياته التجارية والاقتصادية.

لكن الاختبار الحقيقي لهذه المعادلة قد لا يأتي من البيت الأبيض وحده، بل من نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية، التي يمكن أن تعيد تشكيل ميزان القوى داخل الكونجرس، وتؤثر في قدرة الإدارة على إدارة العلاقة مع بكين.

الانتخابات النصفية.. اختبار لاستمرارية التهدئة

السؤال الذي ينبغي أن يشغل المستثمرين ليس فقط ما إذا كان الجمهوريون سيحتفظون بالسيطرة على الكونجرس، بل كيف يمكن لتغير موازين القوى التشريعية أن يؤثر في السياسة الأمريكية تجاه الصين.

فالبيت الأبيض يمتلك أدوات تنفيذية مهمة لإدارة العلاقات التجارية والدبلوماسية، لكن الكونجرس يحتفظ بصلاحيات تشريعية ورقابية قادرة على التأثير في ملفات حساسة، من صادرات أشباه الموصلات المتقدمة إلى الاستثمارات التكنولوجية والضوابط المتعلقة بالأمن القومي.

ألاحظ أن التهدئة الحالية أتاحت للطرفين مساحة لفصل بعض جوانب التبادل التجاري اليومي عن المنافسة الاستراتيجية الأوسع، كما أن استمرار الحوار حول الذكاء الاصطناعي وتخفيف بعض القيود على سلع غير حساسة يعكسان رغبة في تجنب انتقال التوتر السياسي إلى اضطرابات تجارية واسعة.

لكن هذه المرونة لا تعني اختفاء الخلافات الهيكلية، فإذا اتجه الكونجرس الجديد إلى تشديد القيود على تصدير الرقائق المتقدمة أو الوصول عن بُعد إلى التكنولوجيا الأمريكية، فقد تجد الشركات العالمية نفسها أمام موجة جديدة من إعادة ترتيب سلاسل الإمداد، حتى إذا استمرت القنوات السياسية المباشرة بين ترامب وشي.

ماذا يقرأ المستثمرون في نتيجة الانتخابات؟

من منظور تخصيص رأس المال، لا تتعلق المسألة بالانتماء الحزبي بقدر ارتباطها بدرجة القدرة على التنبؤ بالسياسات، فالمستثمر المؤسسي يستطيع التعامل مع بيئة تنافسية إذا كانت قواعدها واضحة نسبيًّا، لكنه يواجه صعوبة أكبر عندما تتغير القيود التجارية والتكنولوجية بصورة مفاجئة.

قد يؤدي احتفاظ الجمهوريين بنفوذهم التشريعي إلى استمرار مساحة أوسع أمام ترامب لإدارة العلاقة مع بكين من خلال السلطة التنفيذية، بما يقلل احتمالات التحول السريع في بعض السياسات، وفي المقابل، قد يؤدي انتقال السيطرة على أحد مجلسي الكونجرس إلى الديمقراطيين إلى زيادة الضغوط الرقابية والحقوقية، وفتح المجال أمام تشريعات أكثر تشددًا في ملفات التكنولوجيا والاستثمار.

ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن الانقسام الحزبي سيؤدي بالضرورة إلى تصعيد شامل؛ فالتشدد تجاه الصين يحظى بدرجات متفاوتة من التأييد لدى الحزبين، وقد تتقاطع مواقفهما في قضايا الأمن القومي والرقائق المتقدمة وتايوان.

لذلك، فإن الرهان على نتيجة انتخابية واحدة قد يكون أقل دقة من تحليل المسارات التشريعية والتنفيذية التي يمكن أن تنتج عنها.

هامش الأمان لم يعد ماليًّا فقط

أرى أن المستثمرين يحتاجون إلى توسيع مفهوم هامش الأمان ليشمل طبيعة التعرض الجيوسياسي للمحافظ، وليس التقييمات المالية وحدها.

فالشركات التي تعتمد على مورد واحد أو سوق واحد أو مصدر تكنولوجيا واحد تصبح أكثر عرضة للصدمات السياسية والتنظيمية، حتى إذا كانت تتمتع بمؤشرات مالية قوية، وفي المقابل، قد تكتسب الشركات القادرة على تنويع سلاسل التوريد والوصول إلى أسواق بديلة ميزة تنافسية إضافية.

وهنا تبرز أهمية ما طرحه بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor بشأن ضرورة وجود هامش أمان يحمي المستثمر من أخطاء التقدير، إلى جانب رؤية مورغان هاوسل في The Psychology of Money حول أهمية التعامل الهادئ مع عدم اليقين وتجنب ردود الفعل المبالغ فيها.

بالنسبة إلى المحافظ المؤسسية، يعني ذلك إعادة تقييم التعرض لأشباه الموصلات والمعادن الحرجة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، مع دراسة مدى اعتماد الشركات على التكنولوجيا الأمريكية أو الصينية، وقدرتها على مواصلة الإنتاج في حال فرض قيود جديدة.

الفرص تنتقل إلى سلاسل التوريد البديلة

لا تقتصر تداعيات المنافسة الأمريكية الصينية على المخاطر؛ فكل موجة من إعادة ترتيب سلاسل الإمداد تخلق فرصًا أمام أسواق وشركات جديدة.

قد تستفيد الاقتصادات التي تستطيع توفير بيئة تشغيلية مستقرة، وبنية تحتية لوجستية متطورة، وقاعدة صناعية قادرة على استقطاب الاستثمارات التي تبحث عن بدائل جغرافية، كما قد تتوسع الفرص في قطاعات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي خارج نطاق الاعتماد المباشر على الولايات المتحدة والصين.

لكن الاستفادة من هذه التحولات تتطلب أكثر من جذب الاستثمارات الأولية؛ إذ ينبغي أن ترتبط بقدرة الأسواق المستقبلة على تطوير المهارات المحلية، وتوفير الطاقة والبنية التحتية، وبناء منظومات صناعية وتقنية قادرة على المنافسة.

السعودية والخليج أمام فرصة استراتيجية

بالنسبة إلى السعودية ودول الخليج، تظل الصين شريكًا اقتصاديًّا مهمًا، خصوصًا في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار، ومن ثم، فإن استمرار الطلب الصيني على الطاقة يمثل عاملًا داعمًا للاقتصادات الخليجية، لكنه لا يلغي الحاجة إلى إدارة مخاطر التباطؤ أو التحولات في أنماط الاستهلاك والتجارة.

في المقابل، تمنح مستهدفات رؤية 2030 وصناديق الاستثمار المحلية المنطقة فرصة لتوسيع حضورها في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية التقنية، وقد تزداد أهمية هذه القطاعات إذا دفعت المنافسة بين واشنطن وبكين الشركات العالمية إلى تنويع مواقعها التشغيلية ومصادر التكنولوجيا.

وأرى أن الفرصة الخليجية لا تكمن في الانحياز إلى أحد طرفي المنافسة، بل في بناء قدرات اقتصادية وتقنية تسمح بالتعامل مع الطرفين، واستقطاب الاستثمارات النوعية، وتطوير المواهب المحلية، وتعزيز استقلالية سلاسل القيمة في القطاعات الحيوية.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل العلاقة

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية بعد الانتخابات النصفية، الأول، استمرار ترامب في استخدام صلاحياته التنفيذية للحفاظ على قنوات الحوار مع بكين، حتى إذا واجه قيودًا تشريعية جزئية، والثاني، حدوث انقسام في الكونغرس يؤدي إلى تباطؤ تمرير تشريعات جديدة، بما يمنح الطرفين مساحة زمنية إضافية لإدارة الخلافات، أما الثالث، فيتمثل في تصاعد الضغوط التشريعية والرقابية، بما يعيد رفع مخاطر الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا المرتبطة بالصين.

لا أرى أن المستثمرين بحاجة إلى المراهنة على سيناريو واحد، بقدر حاجتهم إلى بناء محافظ قادرة على التكيف مع المسارات الثلاثة، من خلال تنويع التعرض الجغرافي والقطاعي، ومراقبة القرارات التنظيمية، وتقييم مرونة الشركات في مواجهة اضطرابات سلاسل التوريد.

في النهاية، لا تختبر الانتخابات النصفية الأمريكية مستقبل العلاقة بين واشنطن وبكين فحسب، بل تختبر أيضًا قدرة رأس المال العالمي على التمييز بين التهدئة السياسية المؤقتة والتحولات الاستراتيجية طويلة الأجل، ومن وجهة نظري، فإن القرار الاستثماري الأكثر انضباطًا هو الذي يوازن بين فرص النمو في الاقتصاد الرقمي العالمي وهامش أمان جيوسياسي حقيقي، بحيث يصبح عدم اليقين مدخلًا لإعادة توزيع رأس المال، لا سببًا لاتخاذ قرارات متسرعة.