سامر شقير: صلابة الطلب المحلي تمنح الاقتصاد السعودي هامشًا لامتصاص الصدمات الإقليمية
أرى أن تماسك إنفاق المستهلكين في السعودية حتى منتصف أكتوبر يعكس قدرة الاقتصاد المحلي على امتصاص جانب من الضغوط الجيوسياسية، رغم المخاوف المرتبطة بإعادة ترتيب أولويات بعض المشروعات الكبرى التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، فبينما قد تؤثر مراجعة الجداول الزمنية للمشروعات في وتيرة الاستثمار، تشير مؤشرات الاستهلاك إلى أن الطلب الداخلي لا يزال يوفر دعامة مهمة للنشاط الاقتصادي، حتى في مناطق قريبة من الحدود مثل نجران وجازان.
في تقديري، تكمن أهمية هذا التماسك في أنه يكشف عن اختلاف درجة تأثر القطاعات الاقتصادية بالصدمات الإقليمية، فالتراجع في بعض الأنشطة المرتبطة بالطيران والسياحة الوافدة لا يعني بالضرورة انتقال الضغوط إلى الاستهلاك المحلي بأكمله، خصوصًا في اقتصاد يستند بدرجة كبيرة إلى الإنفاق الحكومي والاستثمار المحلي والطلب الداخلي.
الطلب المحلي يحد من انتقال الصدمات
أرى أن اعتماد الاقتصاد السعودي على مصادر داخلية للنشاط يمنحه قدرًا من المرونة في مواجهة تقلبات تدفقات رأس المال الأجنبي وإنفاق الزوار، ووفقًا للمعطيات المشار إليها في تقرير موديز، يساعد هذا الهيكل الاقتصادي على الحد من انتقال بعض الصدمات الخارجية إلى الاستهلاك المحلي، وإن كان لا يعزل المملكة تمامًا عن آثار التوترات الإقليمية.
ويبرز هذا التمايز أيضًا في توقعات صندوق النقد الدولي، التي تشير إلى احتمال انكماش النشاط غير النفطي في دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة بنسبة 0.8% خلال العام، مع استمرار النمو غير النفطي في السعودية وعُمان، وأرى أن هذا الاختلاف يعكس أهمية السياسات المالية المحلية وقدرة الحكومات على دعم النشاط الاقتصادي، لكنه يظل مرتبطًا باستمرار الإنفاق وكفاءة توجيهه.
الإنفاق الحكومي يدعم النشاط الاقتصادي
تشير البيانات الواردة إلى ارتفاع الإنفاق الحكومي السعودي بنسبة 15% خلال النصف الأول، ليصل إلى 759.8 مليار ريال، بالتزامن مع زيادة الإنفاق الرأسمالي بنسبة 32%، وفي تقديري، يمثل هذا التوسع أحد العوامل الداعمة للنشاط غير النفطي، من خلال تمويل مشروعات البنية التحتية والتطوير الحضري وتحفيز الطلب على خدمات الشركات المحلية.
لكن استمرار الإنفاق لا يعني أن جميع المشروعات ستتحرك بالوتيرة نفسها، فقد تفرض المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية إعادة ترتيب الأولويات أو تمديد الجداول الزمنية لبعض المشروعات الكبرى، وهو ما يجعل تقييم فرص الاستثمار أكثر ارتباطًا بمرحلة التنفيذ والقدرة على توليد الإيرادات، بدلًا من الاكتفاء بحجم المشروع أو قيمته المعلنة.
ومن وجهة نظري، فإن إعادة معايرة بعض المشروعات لا ينبغي تفسيرها تلقائيًا باعتبارها تراجعًا عن أهداف التحول الاقتصادي؛ فقد تعكس أيضًا محاولة لتحسين كفاءة تخصيص رأس المال وتوجيه الموارد إلى المشروعات الأعلى جدوى والأكثر قدرة على تحقيق عوائد مستدامة.
إيرادات النفط تمنح المالية العامة مساحة إضافية
قد توفر الإيرادات النفطية الإضافية دعمًا مؤقتًا للمالية العامة، ووفقًا للتقديرات المنسوبة إلى «إي إف جي هيرميس»، يمكن أن تصل هذه الإيرادات إلى نحو 11 مليار دولار خلال أكتوبر ونوفمبر، إذا استمرت الصادرات وبقيت الأسعار قرب مستوياتها الحالية.
أرى أن هذا الاحتمال يمنح الحكومة مساحة إضافية لإدارة الإنفاق والحفاظ على زخم النشاط الاقتصادي، لكنه لا يلغي مخاطر الاعتماد على الإيرادات النفطية في مواجهة ضغوط ممتدة، فإذا استمر ضعف حركة الطيران أو تباطؤ السياحة الوافدة، أو تأثرت تدفقات الاستثمار الأجنبي بتصاعد التوترات، فقد تظهر ضغوط على بعض القطاعات حتى مع استمرار قوة الطلب المحلي.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرة الاقتصاد على تجاوز الصدمة الحالية، بل بمدى قدرته على تقليل حساسيته للتقلبات النفطية والخارجية على المدى الطويل.
أين تتجه الفرص الاستثمارية؟
من منظور تخصيص رأس المال، أرى أن المرحلة الحالية تستدعي انتقائية أكبر في اختيار القطاعات والشركات، فقد تستفيد أنشطة التجزئة والاستهلاك والخدمات المرتبطة بالطلب المحلي من استمرار الإنفاق الداخلي، بينما يمكن أن تستفيد الشركات العاملة في البنية التحتية والخدمات اللوجستية من المشروعات القائمة والإنفاق الرأسمالي الحكومي.
في المقابل، قد تواجه الأنشطة الأكثر اعتمادًا على حركة الطيران والزوار الدوليين ضغوطًا أكبر إذا طال أمد الاضطرابات الإقليمية، وهذا لا يعني استبعاد هذه القطاعات من المحافظ الاستثمارية، بل ضرورة تقييم قدرتها على تحمل تراجع الطلب، وتنوع مصادر إيراداتها، ومرونة تكاليفها التشغيلية.
وأفضل التركيز على الشركات التي تمتلك تدفقات نقدية واضحة، وعقودًا قابلة للتنفيذ، وقدرة على الاستفادة من الطلب المحلي دون الاعتماد المفرط على استمرار الدعم الحكومي، كما أن زيادة مشاركة القطاع الخاص في المشروعات الناضجة يمكن أن تساعد على توسيع قاعدة التمويل وتقليل الاعتماد على الإنفاق السيادي المباشر.
النمو غير النفطي أمام اختبار الاستدامة
في تقديري، قد يحافظ الاقتصاد السعودي على نمو غير نفطي أكثر مرونة نسبيًّا مقارنة ببعض اقتصادات المنطقة، مدعومًا بالطلب الداخلي والإنفاق الرأسمالي، لكن استمرار هذا الأداء يتطلب تحقيق توازن بين تمويل المشروعات الاستراتيجية ورفع كفاءة التنفيذ وتعزيز دور القطاع الخاص.
الخلاصة أن صلابة الطلب المحلي تمنح الاقتصاد السعودي هامشًا مهمًا لامتصاص الصدمات، لكنها لا تلغي الحاجة إلى إعادة تقييم المخاطر، وبالنسبة إلى المستثمرين المؤسسيين، ستتحدد الفرص الأكثر جاذبية بقدرة الشركات والمشروعات على تحويل الإنفاق إلى نشاط إنتاجي وتدفقات نقدية مستدامة، لا بمجرد استمرار الإنفاق أو اتساع حجم الاستثمارات المعلنة.
