سامر شقير يكتب: ثورة ورقية في زمن الذكاء الاصطناعي
في عالم يندفع نحو الذكاء الاصطناعي والاتصال الفوري، قد تتحول ورقة مكتوبة بخط اليد وطابع بريدي إلى فرصة استثمارية غير متوقعة، فبينما تتسابق الشركات على رقمنة كل تفاصيل الحياة، يبحث قطاع من جيل زد عن تجربة أبطأ وأكثر ملموسية، ما يفتح نافذة محدودة أمام أسواق القرطاسية الفاخرة والمنتجات الورقية والاشتراكات البريدية، إنها ليست عودة إلى عصر ما قبل التكنولوجيا، بل إعادة تقييم للقيمة في اقتصاد أصبحت فيه وفرة الاتصال مصدرًا للإرهاق.
تشير بيانات منصة Pinterest إلى ارتفاع عمليات البحث عن رسائل الأصدقاء المكتوبة بالقلم والرسائل بخط اليد والطوابع المميزة، مع توقعات بعودة الاهتمام بكتابة الرسائل بين جيل زد وجيل الألفية خلال 2026، كما أظهرت دراسة من Stamps.com أن نحو 48% من أبناء جيل زد يرسلون البريد مرة أو مرتين شهريًّا.
وتعكس هذه المؤشرات رغبة لدى بعض المستهلكين في الابتعاد جزئيًّا عن إيقاع التواصل الفوري، واستعادة تجربة تتطلب الوقت والاهتمام، ويرتبط ذلك بقيمة عاطفية يصعب على الرسائل الرقمية توفيرها بالدرجة نفسها، إذ تمنح الكتابة اليدوية والتذكارات المادية شعورًا بالخصوصية والاستمرارية.
سوق القرطاسية تحت الاختبار
يقدر حجم سوق القرطاسية العالمي بنحو 135 مليار دولار في 2025، مع توقعات بنمو سنوي مركب يتراوح بين 3% و4.5% حتى أوائل الثلاثينيات، مدفوعًا بالطلب التعليمي والمنتجات الفاخرة والمستدامة، وتستحوذ منطقة آسيا والمحيط الهادئ على الحصة الأكبر، فيما تحافظ الأدوات الكتابية والمنتجات الورقية على شرائح من الطلب رغم استمرار الرقمنة.
وفي السعودية، يقدر حجم سوق مستلزمات القرطاسية المدرسية بنحو 900 مليون دولار خلال 2024 و2025، مع نمو سنوي متوقع بين 2% و2.5%، ويعزز الطلب التعليمي والاهتمام بتطوير الإنتاج المحلي فرص الشركات التي تجمع بين الجودة والتصميم والاستدامة.
ومن منظور استثماري، تبرز أهمية العلامات التجارية التي تستخدم المنصات الرقمية لاكتشاف العملاء، ثم تقدم لهم منتجات مادية مخصصة يمكن شراؤها بصورة متكررة، وقد تحقق بعض هذه النماذج هوامش مرتفعة، خصوصًا في المنتجات المتخصصة، لكن ذلك يظل مرتبطًا بتكاليف الإنتاج والشحن والقدرة على الاحتفاظ بالمشتركين.
الاشتراكات البريدية واقتصاد التجارب
برزت نوادي البريد الورقي بوصفها مشروعات إبداعية صغيرة، تتراوح اشتراكاتها الشهرية بين 8 و16 دولارًا، وقد تضم بعض المشروعات مئات المشتركين أو أكثر من ألف، وتصل هوامش الربح في بعض الحالات إلى 70% خلال أشهر معينة، وفقًا للتقديرات الواردة، دون أن يمثل ذلك متوسطًا عامًا للقطاع.
ويجمع هذا النموذج بين التسويق عبر منصات مثل تيك توك والتسليم من خلال البريد التقليدي، ما يتيح إيرادات متكررة مع حواجز دخول أقل من المنصات الرقمية الكبرى. ومع ذلك، يواجه البريد الورقي التقليدي تراجعا طويل الأجل، بينما تتركز الفرص في المنتجات الشخصية والهدايا والتسويق المباشر.
السعودية ورؤية 2030
يتقاطع هذا الاتجاه مع مستهدفات رؤية 2030 في دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة والقطاعات الثقافية والإبداعية، ويستهدف البرنامج رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى 35% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تشير التقديرات الواردة إلى أن الشباب يقودون نحو 38% من السجلات التجارية النشطة.
وتتيح هذه البيئة فرصا لإطلاق منتجات ورقية مستوحاة من الثقافة السعودية، وتجارب بريدية مرتبطة بالسياحة والفعاليات، ومشروعات تصنيع محلي تقلل الاعتماد على الواردات، كما يمكن للاستدامة واستخدام الورق المعاد تدويره أن يعززا جاذبية المنتجات لدى شرائح من المستهلكين الشباب.
الفرص والمخاطر الاستثمارية
يرى سامر شقير أن الفرصة تكمن في الاستثمار الانتقائي في العلامات التجارية التي تحول المنتجات المادية إلى تجارب ذات قيمة مدركة مرتفعة، مع نماذج اشتراك مرنة وقدرة على الوصول الرقمي إلى العملاء، لكن ارتفاع تكاليف البريد، وصعوبة التوسع، وتقلب الطلب، والاشتراطات البيئية قد تحد من العوائد.
ومن المرجح أن يظل هذا الاتجاه محدودًا مقارنة بالاقتصاد الرقمي، لكنه يقدم إشارة مهمة إلى أن الابتكار لا يعني بالضرورة التخلي عن المنتجات الملموسة، فالجمع بين الاكتشاف الرقمي والتجربة المادية قد يخلق فرصًا جديدة في الاقتصادات الشابة، شرط أن يستند الاستثمار إلى طلب حقيقي وهوامش قابلة للاستمرار، لا إلى موجة ثقافية مؤقتة.
