بوابة أبو الهول الاخبارية

سامر شقير يكتب: حرارة أوروبا تحرق مليارات اليوروهات.. مَن يدفع فاتورة المناخ؟

الأحد 25 أكتوبر 2026 02:14 مـ 13 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير يكتب: حرارة أوروبا تحرق مليارات اليوروهات.. مَن يدفع فاتورة المناخ؟

لم تعد موجات الحر مجرد ظاهرة مناخية موسمية يمكن التعامل معها باعتبارها حدثًا مؤقتًا، بل أصبحت عاملًا اقتصاديًّا يؤثر في الإنتاجية والتكاليف التشغيلية وقيمة الأصول على المدى الطويل، وما شهدته أوروبا خلال صيف 2026 يعيد طرح سؤال جوهري أمام المستثمرين: كيف يمكن حماية العوائد الاستثمارية في عالم أصبحت فيه المخاطر المناخية جزءًا من المعادلة الاقتصادية؟
تشير التقديرات الواردة بشأن صيف 2026 إلى أن موجات الحر تسببت في نحو 50 ألف وفاة زائدة مرتبطة بالحرارة في 854 مدينة أوروبية، فيما قدرت بلومبرغ إيكونوميكس الخسائر المرتبطة بتراجع النشاط الاقتصادي بنحو 17 مليار يورو، بما يعادل 0.17% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي خلال الفترة من أبريل إلى سبتمبر.
أرى أن أهمية هذه الأرقام تتجاوز حجم الخسائر المباشرة؛ فهي تكشف عن قناة أقل وضوحًا، لكنها أكثر تأثيرًا في القرارات الاستثمارية طويلة الأجل، تتمثل في تراجع إنتاجية العمل وارتفاع تكاليف التشغيل والضغط المتزايد على البنية التحتية، وعندما تتكرر هذه الظواهر، فإنها لا تعود مجرد خسائر عابرة، بل تتحول إلى عامل يعيد تشكيل القدرة التنافسية للشركات والاقتصادات.

المناخ يتحول إلى متغير في حسابات النمو
تواجه الاقتصادات الأوروبية اختبارًا متزايدًا لقدرتها على التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، فالصيف الأكثر حرارة لا يؤثر في صحة السكان فحسب، بل يمتد تأثيره إلى ساعات العمل، وكفاءة المعدات، وسلاسل الإمداد، والطلب على الطاقة، وتكاليف التأمين.
وتشير التقديرات الواردة في التحليلات الاقتصادية إلى أن موجات الحر ساهمت في خفض النمو الاقتصادي خلال الربع الثاني من عام 2026 في عدد من الاقتصادات الأوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا وإسبانيا، مع تفاوت حجم التأثير بين دولة وأخرى.
من وجهة نظري، فإن التحدي الأكبر يتمثل في أن الخسائر المناخية قد لا تظهر بالكامل في المؤشرات المالية خلال فترة قصيرة، فقد تتمكن الشركة من الحفاظ على إيراداتها مؤقتًا، لكنها تتحمل في المقابل ارتفاعًا في تكاليف التبريد، أو تراجعًا في كفاءة العمالة، أو نفقات إضافية لتحديث منشآتها، ومع تكرار هذه الضغوط، تتراجع الهوامش التشغيلية وتتغير احتياجات الإنفاق الرأسمالي.
وهنا يصبح المناخ جزءًا من تقييم القدرة التنافسية، وليس مجرد عنصر في تقارير الاستدامة.

الإنتاجية.. الحلقة الأكثر حساسية
تتمثل إحدى أهم قنوات انتقال تأثير الحرارة إلى الاقتصاد في سوق العمل، فالأنشطة التي تعتمد على العمل في الأماكن المفتوحة، مثل البناء والزراعة والنقل وبعض العمليات الصناعية، تصبح أكثر عرضة لتراجع الكفاءة عندما ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات تؤثر في قدرة العاملين على أداء مهامهم.
ولا يقتصر الأثر على انخفاض الإنتاجية خلال ساعات الحر الشديد، بل قد يمتد إلى إعادة تنظيم جداول العمل، وزيادة فترات الراحة، وارتفاع معدلات الغياب، والحاجة إلى توفير تجهيزات إضافية للسلامة والتبريد.
وتتضاعف التحديات عندما تكون المباني أو المنشآت الصناعية مصممة وفق معايير لم تعد ملائمة للظروف المناخية الحالية، فالمصانع والمستودعات والمكاتب التي لا تمتلك أنظمة تبريد فعالة قد تواجه ارتفاعًا في استهلاك الطاقة وتراجعًا في كفاءة التشغيل، بينما يمكن أن تؤدي الضغوط على النقل والتخزين إلى تعطيل أجزاء من سلاسل الإمداد.
أعتقد أن المستثمرين سيحتاجون بصورة متزايدة إلى تقييم الشركات وفق قدرتها على الحفاظ على الإنتاجية تحت ظروف مناخية أكثر تقلبًا، فالشركتان اللتان تعملان في القطاع نفسه قد تحققان نتائج مختلفة تمامًا إذا كانت إحداهما قد استثمرت في تحديث منشآتها وعملياتها، بينما ظلت الأخرى تعتمد على بنية تشغيلية أكثر عرضة للحرارة، وهذا الاختلاف قد يتحول إلى فجوة مستمرة في التكاليف والهوامش والعائد على رأس المال المستثمر.

من العقارات والطاقة إلى التأمين والزراعة
تختلف التداعيات الاستثمارية لموجات الحر باختلاف طبيعة كل قطاع، لكن القاسم المشترك بينها هو ارتفاع قيمة القدرة على التكيف.
في قطاع العقارات والبنية التحتية، تزداد أهمية تصميم المباني بما يقلل امتصاص الحرارة، واستخدام مواد بناء مناسبة، وتطوير أنظمة التبريد المركزي، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وقد تصبح هذه العناصر أكثر تأثيرًا في القيمة السوقية للأصول، وتكاليف تشغيلها، وجاذبيتها للمستأجرين والمستثمرين.
أما في قطاع الطاقة، فإن ارتفاع الطلب على التبريد خلال فترات الذروة يفرض ضغوطًا إضافية على شبكات الكهرباء، ويزيد الحاجة إلى استثمارات في كفاءة الطاقة والتخزين وإدارة الأحمال، وفي هذا السياق، قد تبرز فرص للشركات التي تقدم حلولًا تقلل استهلاك الكهرباء دون التأثير في كفاءة التبريد.
وفي التأمين، يمكن أن تؤدي زيادة تواتر الظواهر المناخية الشديدة إلى إعادة تقييم نماذج المخاطر وتسعير التغطيات، مع انعكاسات محتملة على أقساط التأمين وتوافر بعض المنتجات في المناطق الأكثر تعرضًا.
كذلك، تواجه الزراعة تحديات تتعلق بإنتاجية المحاصيل وجودتها واستهلاك المياه، وهو ما قد يمتد إلى أسعار الغذاء وتكاليف سلاسل التوريد.
من هذا المنطلق، أرى أن الفرص الاستثمارية لا تقتصر على الشركات التي تنتج تقنيات التكيف المناخي، بل تشمل أيضًا المؤسسات التي تستطيع دمج هذه الحلول في نماذج أعمالها، بما يحمي أرباحها ويقلل تعرضها للصدمات التشغيلية.

كيف يعيد المستثمرون المؤسسيون تخصيص رأس المال؟
بالنسبة إلى صناديق الاستثمار السيادية ومديري الأصول والمكاتب العائلية، تفرض التطورات المناخية ضرورة إدخال المخاطر المادية ضمن التقييم المالي للأصول، بدلًا من التعامل معها باعتبارها افتراضات بعيدة المدى.
فعند تقييم مشروع عقاري أو منشأة صناعية أو استثمار في البنية التحتية، لا يكفي النظر إلى الإيرادات المتوقعة وتكلفة التمويل، بل ينبغي أيضًا دراسة احتمالات ارتفاع تكاليف التبريد والصيانة، وتعطل العمليات، وتراجع الإنتاجية، والحاجة إلى تحديث الأصول خلال عمر الاستثمار.
وقد يؤثر ذلك في تقدير التدفقات النقدية المستقبلية، والإنفاق الرأسمالي المطلوب، ومعدل العائد الذي يبرر المخاطر.
لكنني لا أرى أن التعامل مع مخاطر المناخ يعني التخلي عن القطاعات الأكثر تعرضًا لها، فالاستثمار في هذه القطاعات قد يظل جذابًا إذا كانت التقييمات تعكس المخاطر بصورة واقعية، وإذا امتلكت الشركات خططًا عملية للتكيف.
المعيار الأساسي هو التمييز بين الشركات التي تستطيع تحويل الإنفاق على التكيف إلى ميزة تشغيلية، وتلك التي تتعامل معه باعتباره تكلفة إضافية لا تؤدي إلى تحسين كفاءة أعمالها.
وفي هذا الإطار، قد تستفيد الشركات العاملة في تقنيات التبريد الموفرة للطاقة، ومواد البناء المتقدمة، وإدارة المياه، وتحديث الشبكات، وأنظمة التحكم الذكية في المباني، ومع ذلك، فإن نمو الطلب على هذه الحلول لا يضمن تلقائيًّا تحقيق عوائد استثمارية مرتفعة؛ إذ تظل التقييمات والقدرة التنافسية وتكاليف التنفيذ عوامل حاسمة.

ماذا تعني التجربة الأوروبية للاقتصادات الخليجية؟
تكتسب التجربة الأوروبية أهمية خاصة لدول الخليج، التي تواجه درجات حرارة مرتفعة بحكم طبيعة مناخها، وتعتمد اقتصاداتها بصورة متزايدة على تطوير المدن والبنية التحتية والسياحة والخدمات والأنشطة الصناعية.
وفي السعودية، يتقاطع التكيف المناخي مع متطلبات التنويع الاقتصادي ضمن رؤية 2030، خصوصًا في تطوير المدن والمشروعات السياحية والبنية التحتية الحضرية، فالقدرة على توفير بيئات مريحة وآمنة للعمل والسكن والأنشطة الترفيهية لا ترتبط بجودة الحياة وحدها، بل تؤثر أيضًا في الإنتاجية وجاذبية الاستثمار وتنافسية الوجهات السياحية.
وتوفر الاستثمارات في التبريد الفعال، ورفع كفاءة المباني، والمواد العاكسة للحرارة، والتشجير، وإدارة المياه والطاقة، مجالات يمكن أن تتطور فيها حلول تقنية وتشغيلية قابلة للتوسع.
وأعتقد أن الاقتصادات الخليجية تستطيع الاستفادة من خبرتها في التعامل مع درجات الحرارة المرتفعة لتطوير نماذج تشغيل أكثر كفاءة، وجذب الشركات المتخصصة، وتعزيز فرص الاستثمار في التقنيات الملائمة للبيئات الحارة.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى ميزة تنافسية يتطلب قياس النتائج الفعلية، بما يشمل خفض استهلاك الطاقة، وتقليل تكاليف التشغيل، وتحسين الإنتاجية، ورفع كفاءة استخدام المياه، فنجاح مشروعات التكيف لا يقاس بحجم الإنفاق عليها، بل بقدرتها على تحقيق نتائج اقتصادية وبيئية قابلة للقياس.

المرونة الإنتاجية.. معيار جديد للقيمة الاستثمارية
إذا استمرت موجات الحر الشديدة في التزايد، فمن المرجح أن تصبح القدرة على التكيف أحد العوامل المؤثرة في توزيع الاستثمارات بين الشركات والقطاعات والأسواق.
وقد تتجه المؤسسات إلى تفضيل الأصول التي تتمتع ببنية تحتية أكثر مرونة، والشركات التي تستطيع الحفاظ على هوامشها التشغيلية في ظروف مناخية صعبة، والمشروعات التي تجمع بين الكفاءة التشغيلية والعائد الاقتصادي طويل الأجل.
وفي المقابل، قد تواجه الأصول التي لا تعكس تقييماتها مخاطر الحرارة والمياه والطاقة ضغوطًا مستقبلية، سواء عبر ارتفاع تكاليف التشغيل أو زيادة الإنفاق المطلوب لتحديثها أو تراجع جاذبيتها التمويلية.
لهذا السبب، أرى أن إدماج المخاطر المناخية في قرارات تخصيص رأس المال لم يعد خيارًا ثانويًّا، بل أصبح جزءًا من إدارة المخاطر المالية وحماية القيمة طويلة الأجل.
في النهاية، لا تكمن الفرصة الاستثمارية في ارتفاع الطلب على حلول التكيف المناخي وحده، بل في القدرة على تحديد الشركات التي تستطيع تحويل هذه الحاجة إلى تدفقات نقدية مستدامة، فالمناخ يعيد تشكيل تكلفة الإنتاج، وهذه التكلفة ستؤثر بدورها في التنافسية والتقييمات وتدفقات رأس المال، وفي عالم تتزايد فيه الصدمات المناخية، قد تصبح المرونة الإنتاجية إحدى أهم المزايا التي تحدد الفائزين في الأسواق خلال السنوات المقبلة.