سامر شقير: الاختبار الحقيقي لرؤية 2030 هو قدرة الاستثمارات على تحقيق عوائد مستدامة
أكد سامر شقير، رائد الاستثمار، أن الاقتصاد السعودي يقترب من مرحلة أكثر أهمية في مسار التحول الاقتصادي، تتمثل في الانتقال من التركيز على حجم الاستثمارات والمشروعات المنفذة إلى قياس قدرتها على تحقيق قيمة اقتصادية وعوائد مالية مستدامة.
وأوضح شقير، خلال حوار مع محمد يحيى القحطاني، مدير تحرير الجزيرة، أن المؤشرات المرتبطة بنمو السياحة والأنشطة غير النفطية وتدفقات الاستثمار تعكس اتساع النشاط الاقتصادي في المملكة، إلا أن تقييم نجاح الاستثمار يتطلب معايير أكثر دقة من مجرد ارتفاع أعداد الزوار أو زيادة الإنفاق الرأسمالي.
وقال شقير: «أنا أرى أن النشاط الاقتصادي الجديد أصبح واضحًا، نتحدث عن نحو 123 مليون سائح خلال عام 2025، وإنفاق سياحي يقارب 304 مليارات ريال، إلى جانب نمو الاستثمارات الأجنبية المباشرة وفقًا للأرقام المعلنة، لكن هنا يجب أن نفرّق بين نجاح الاقتصاد ونجاح الاستثمار، لأن لكل منهما معايير مختلفة».
وأشار إلى أن السياحة السعودية سجلت بالفعل نحو 123 مليون سائح من الداخل والخارج، مع إنفاق إجمالي بلغ قرابة 304 مليارات ريال في عام 2025، وفقًا لبيانات وزارة السياحة السعودية.
وأضاف أن هذه المؤشرات تعكس اتساع النشاط الاقتصادي وتنامي الفرص، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على الجدوى المالية لكل مشروع، إذ ينبغي تقييم العوائد المحققة مقارنة بالتكاليف والمخاطر ورأس المال المستثمر.
الفرق بين النجاح الاقتصادي والنجاح الاستثماري
وأوضح شقير أن المشروعات التنموية قد تحقق فوائد اقتصادية واسعة حتى عندما لا يكون عائدها المالي المباشر مرتفعًا، إذ يمكن أن تسهم في خلق الوظائف، وتطوير المناطق، وتحسين البنية التحتية، وتهيئة الظروف لنمو قطاعات جديدة، مشددًا على أن المستثمر الخاص يحتاج إلى إجابة واضحة عن سؤال مختلف: هل يحقق المشروع عائدًا يتناسب مع تكلفة رأس المال والمخاطر التي يتحملها؟
وقال شقير: «الدولة قد تستثمر في مشروع لأنه يخلق وظائف، ويطوّر منطقة، ويحسّن البنية التحتية، وهذا نجاح اقتصادي مهم، لكن المستثمر الخاص لديه سؤال إضافي: هل العائد الذي يحققه المشروع يغطي تكلفة رأس المال والمخاطرة؟».
وأضاف أن التمييز بين هذين النوعين من العوائد ضروري لفهم نتائج التحول الاقتصادي بصورة أكثر واقعية، موضحًا أن الأثر التنموي للمشروع لا يلغي الحاجة إلى تقييم كفاءته المالية، كما أن انخفاض العائد المالي المباشر لا يعني بالضرورة غياب المنافع الاقتصادية الأوسع.
مليار ريال لا يجعل المشروع استثمارًا ناجحًا تلقائيًّا
وفي توضيحه للمعيار المالي الذي ينبغي أن يحكم القرارات الاستثمارية، أكد شقير أن حجم المشروع أو قيمته الرأسمالية لا يمثلان دليلًا كافيًا على نجاحه، ما لم تقترن الاستثمارات بقدرة فعلية على توليد عوائد تتناسب مع تكلفتها.
وضرب مثالًا افتراضيًّا بمشروع تبلغ تكلفته مليار ريال، لكنه يحقق عائدًا أقل من تكلفة تمويله ورأس المال المستثمر فيه، مشيرًا إلى أن ضخامة المشروع لا تبرر وصفه بالاستثمار الممتاز إذا كانت نتائجه المالية لا تدعم هذا التقييم.
وقال شقير: «إذا كان المشروع قد كلّف مليار ريال، لكنه يولّد عائدًا أقل من تكلفة رأس المال، فلا يمكنني اعتباره استثمارًا ممتازًا لمجرد أنه مشروع ضخم، المطلوب هو أن نعرف ما القيمة التي خلقها هذا الاستثمار فعلًا، وما العائد الذي حققه مقارنة بالتكلفة والمخاطر».
وأوضح أن التقييم السليم يتطلب النظر إلى التدفقات النقدية الفعلية والمتوقعة، والعائد على رأس المال المستثمر، وتكاليف التشغيل والصيانة، والقدرة على تحقيق الإيرادات على المدى الطويل، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بالطلب والتمويل والتنفيذ.
من بناء الأصول إلى جني الثمار
وأشار شقير إلى أن المرحلة الأولى من التحول الاقتصادي تركز بطبيعتها على بناء الأصول والبنية التحتية وتطوير قطاعات جديدة، بينما تتطلب المرحلة التالية إثبات قدرة هذه الأصول على توليد قيمة مستدامة، سواء من خلال الأرباح أو التدفقات النقدية أو رفع إنتاجية الاقتصاد.
وأضاف أن نجاح المشروعات السياحية والصناعية واللوجستية والتقنية يجب أن يُقاس أيضًا بقدرتها على بناء شركات مستدامة، وتوسيع قاعدة الإيرادات، وخلق فرص تجارية متكررة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد السعودي.
وقال شقير: «المرحلة الأولى تبني الأصول، أما المرحلة التالية فيجب أن تثبت أن هذه الأصول قادرة على خلق قيمة، لا يكفي أن نفتتح مشروعًا أو نعلن عن استثمار كبير؛ المهم أن نعرف ما الذي سيولّده هذا المشروع من إيرادات وأرباح وتدفقات نقدية خلال السنوات المقبلة».
وأكد أن الانتقال إلى هذه المرحلة لا يعني التوقف عن الاستثمار أو تقليص أهمية المشروعات التنموية، بل يعني رفع معايير اختيار المشروعات وترتيب الأولويات، مع إعطاء اهتمام أكبر للكفاءة التشغيلية والجدوى المالية والاستدامة طويلة الأجل.
ما الاختبار المالي الأكثر صرامة؟
وفي قراءته لمعايير النجاح الاستثماري، شدد شقير على أهمية تجاوز المؤشرات التي تقيس حجم النشاط وحده، والاعتماد على مجموعة من المعايير المالية والتشغيلية التي تكشف مدى قدرة الاستثمارات على خلق قيمة حقيقية.
وتشمل هذه المعايير قدرة المشروع على توليد تدفقات نقدية مستدامة، وتحقيق عائد مناسب على رأس المال المستثمر، وتغطية تكاليف التمويل والتشغيل، والوصول إلى مستويات تشغيل تدعم الجدوى الاقتصادية، فضلًا عن قدرة الشركات المرتبطة به على تحقيق أرباح متكررة دون الاعتماد المفرط على الدعم أو الإنفاق المؤقت.
وأشار إلى أن نمو السياحة أو ارتفاع الاستثمارات الأجنبية يمثلان مؤشرين مهمين على النشاط الاقتصادي، لكنهما لا يقدمان بمفردهما صورة كاملة عن ربحية المشروعات أو جودة العوائد التي تحققها.
وأضاف أن الحكم على نجاح التحول الاقتصادي يتطلب الجمع بين المؤشرات الكلية، التي تقيس نمو الاقتصاد وتنوعه، والمؤشرات المالية على مستوى الشركات والمشروعات، التي تكشف ما إذا كان رأس المال المستثمر يحقق عائدًا يتناسب مع تكلفته ومخاطره.
لا أقيس النجاح بعدد المشاريع وحده
واختتم سامر شقير تصريحه بالتأكيد على أن التحدي الاستثماري في المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل التوسع الاقتصادي إلى قيمة مالية وإنتاجية مستدامة، بما يعزز قدرة الشركات على النمو ويزيد جاذبية الاقتصاد للاستثمارات طويلة الأجل، قائلًا: «أنا لا أقيس النجاح بعدد المشاريع وحده، بل بقدرة الشركات على تحقيق أرباح وتدفقات نقدية مستدامة، عندما نتمكن من إثبات أن الأصول التي بنيناها تستطيع خلق قيمة حقيقية، نكون قد انتقلنا من مجرد تنفيذ التحول الاقتصادي إلى جني ثماره».
وأكد أن هذا التحول في معايير التقييم يمثل خطوة أساسية لتعزيز كفاءة الاستثمار، وترسيخ ثقافة اتخاذ القرارات على أساس البيانات والجدوى المالية، بما يدعم استدامة النمو الاقتصادي في المملكة العربية السعودية ويعزز تنافسية قطاعاتها الواعدة.
