سامر شقير: أزمة الديزل تُعيد رسم خريطة رأس المال من الخام إلى التكرير واللوجستيات
لم تعد أزمة الديزل العالمية مجرد انعكاس لاضطرابات سوق النفط، بل تحولت إلى اختبار مباشر لقدرة الاقتصاد العالمي على تأمين الوقود الذي يحرك الشاحنات والزراعة والبناء وسلاسل التبريد.
وفي قراءة استثمارية، يرى سامر شقير، رائد الاستثمار، أن اختناق طاقة التكرير أصبح أكثر أهمية من حركة الخام نفسها في تحديد مسار الأسعار والتضخم وتخصيص رأس المال.
وقال سامر شقير: «المستثمر المؤسسي لا يسعر اليوم حربًا واحدة، بل نقصًا في طاقة التحويل، الخام موجود بوفرة نسبية مقارنة بطاقة التكرير المتاحة في المناطق الآمنة، مَن يملك مصفاة مرنة ومنفذًا تصديريًّا يملك تسعير الندرة، ومَن يعتمد على الاستيراد يدفع علاوة مخاطر لا تظهر في نماذج التقييم التقليدية».
وتأتي الأزمة مع وصول أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات مرتفعة قرب 6.5 دولار للغالون، بعد اضطراب صادرات الوقود المكرر من روسيا والخليج وتراجع الإمدادات نتيجة الهجمات على المصافي والممرات البحرية.
كما أدى ارتفاع تكلفة الديزل إلى انتقال الضغوط إلى النقل والزراعة والغذاء وسلاسل الإمداد، ما يجعل الوقود الوسيط عاملًا مباشرًا في التضخم التشغيلي.
وأشار سامر شقير إلى أن تراجع صادرات الديزل الروسية واضطرابات الإمدادات الخليجية دفعا الولايات المتحدة إلى موقع أكثر أهمية في السوق العالمية، مع ارتفاع صادرات المنتجات المكررة الأمريكية، بينما تعمل المصافي المحلية عند مستويات استخدام مرتفعة تحد من قدرتها على زيادة الإمدادات بسرعة.
ويرى أن انفصال أسعار المنتجات المكررة عن الخام أصبح أكثر وضوحًا، إذ يمكن أن يتراجع سعر برنت بينما تبقى هوامش تكرير الديزل مرتفعة نتيجة نقص طاقة التحويل والمخزونات، ويعني ذلك أن المستثمر الذي يراقب سعر النفط وحده قد يفوّت المحرك الأساسي لقطاع الطاقة خلال هذه الدورة.
وأضاف سامر شقير أن أي حظر أمريكي محتمل على صادرات الديزل قد يحقق تأثيرًا قصير الأجل على السوق المحلية، لكنه في الوقت نفسه قد ينقل جزءًا من الاختناق إلى أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ويرفع تكاليف النقل والتضخم المستورد، قائلًا: «هذا النوع من التدخل يخلق رابحين محليين على المدى القصير وخاسرين عالميين في اللوجستيات والتضخم المستورد».
وتنعكس الأزمة أيضًا على أسواق الدخل الثابت، إذ يمكن لاستمرار ارتفاع تكاليف الوقود أن يزيد ضغوط الائتمان على شركات النقل والغذاء والتجزئة، في حين تستفيد شركات الطاقة المتكاملة ومصافي التكرير ذات التدفقات النقدية القوية إذا بقيت هوامش المنتجات مرتفعة.
وفي الخليج، يرى سامر شقير أن ندرة الديزل تعزز القيمة الاستراتيجية لطاقة التكرير والمشاريع المتكاملة بين النفط والتكرير والبتروكيماويات، ويكتسب ذلك أهمية خاصة في السعودية، حيث ترتبط الاستثمارات في الطاقة واللوجستيات والبنية التحتية بأهداف رؤية 2030 وتنويع مصادر النمو.
وقال سامر شقير: «تخصيص رأس المال في 2026 يميل نحو الأصول التي تخفف اختناق التحويل، لا نحو الرهان الأحادي على سعر البرميل»، ويرى أن المواني وشبكات النقل ومشروعات التكرير المرنة ومصادر الإمداد البديلة يمكن أن تكتسب أهمية أكبر إذا استمرت اضطرابات الممرات البحرية.
وتشمل الجهات الأكثر تعرضًا للضغط أساطيل النقل البري والزراعة كثيفة الوقود وبعض شركات الطيران إذا امتدت الأزمة إلى وقود الطائرات، إضافة إلى الاقتصادات المستوردة للديزل، وفي المقابل، يمكن أن تستفيد المصافي عالية التعقيد ومصدرو المنتجات المكررة من المناطق الأقل تعرضًا للمخاطر الجيوسياسية.
ويحذر سامر شقير من أن الأزمة قد تتحول من صدمة أسعار إلى إعادة تسعير للمخاطر التجارية والطاقة، خصوصًا إذا أصبحت القيود على الصادرات أداة متكررة في إدارة الأسواق المحلية.
ويخلص إلى أن السيناريو الاستثماري الأكثر أهمية حتى مطلع 2027 يتوقف على ثلاثة عوامل: مدة القيود الروسية على الصادرات، وقدرة المصافي الخليجية والآسيوية على تعويض الفاقد، وقرار واشنطن بشأن صادرات الديزل.
واختتم سامر شقير قائلًا: «الديزل أصبح وكيلًا عن التضخم التشغيلي أكثر مما هو وكيل عن أوبك، مَن يدير سيولة سيادية أو عائلة مكتبية في الخليج يحتاج إلى فصل مراكز الخام عن مراكز التكرير والنقل، واختبار تحمل المحفظة لسيناريو حظر تصدير من أكبر مورد هامشي في السوق».
