بوابة أبو الهول الاخبارية

ما بعد رؤية 2030| أين ذهب رأس المال؟.. سامر شقير يقرأ الاقتصاد السعودي الجديد

الأحد 27 سبتمبر 2026 12:55 مـ 14 ربيع آخر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

بعد عقد من إطلاق رؤية 2030، لم يعد السؤال الاستثماري حول الاقتصاد السعودي هو حجم الإنفاق على التنويع، بل قدرة القطاعات الجديدة على تحويل هذا الإنفاق إلى إيرادات ووظائف وإنتاجية وعوائد مستقلة. وفي 2025، نما الناتج المحلي الحقيقي السعودي بنسبة 4.5%، بينما ارتفعت الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.9%، في إشارة إلى اتساع قاعدة النمو خارج النفط.

من تمويل التحول إلى اختبار العائد

قال رائد الاستثمار سامر شقير إن الاقتصاد السعودي دخل مرحلة جديدة من التحول، أصبحت فيها جودة تخصيص رأس المال وسرعة انتقال المشروعات إلى أعمال منتجة أكثر أهمية من مجرد عدد المشروعات المعلنة.

وأوضح شقير، أن إطلاق رؤية 2030 في 2016 جاء في بيئة كان النفط فيها يوفر للسعودية قدرة كبيرة على تمويل التحول الاقتصادي، لكن السؤال بعد نحو عقد أصبح أكثر دقة: ما مقدار النمو الذي تستطيع القطاعات الجديدة توليده، وإلى أي مدى يمكنها الصمود إذا تراجعت إيرادات النفط؟

وأضاف أن قراءة التنويع بمنطق المحفظة تساعد المستثمر على فهم المرحلة الحالية؛ فتعدد القطاعات يقلل الاعتماد على مصدر واحد، لكنه لا يلغي ضرورة اختبار العائد والمخاطر في كل قطاع على حدة. ولفت إلى أن السياحة والصناعة والخدمات الرقمية، رغم اختلاف نماذج أعمالها، قد تتأثر جميعها بتكلفة التمويل، وتوافر العمالة، وقدرة البنية التحتية على مواكبة الطلب.

وبلغت أصول صندوق الاستثمارات العامة المدارة أكثر من 900 مليار دولار في 2025، وهو حجم يمنحه قدرة مؤثرة على تأسيس أسواق جديدة وجذب شركاء استثماريين، لكنه في الوقت نفسه يجعل ترتيب الأولويات بين المشروعات واختلاف فترات استرداد رأس المال أكثر أهمية.

ماذا يراقب المستثمر المؤسسي؟

وأشار سامر شقير إلى أن المقارنة الاستثمارية لم تعد بين حجم مشروع سياحي وحجم مشروع صناعي، بل بين توقيت التدفقات النقدية، ونسبة الإنفاق المحلي، وحجم التمويل الخاص الذي يستطيع كل ريال من الإنفاق الأولي جذبه.

وقال شقير إن استثمارات البنية التحتية قد تؤدي وظيفة تمكينية لقطاعات أخرى قبل أن تحقق عائدًا مباشرًا في ميزانيتها، ولذلك لا ينبغي تقييمها من خلال حساباتها المالية المستقلة فقط، بل من خلال أثرها على الشركات والإنتاجية والنشاط الاقتصادي.

وأضاف أن الاختبار الحاسم للتنويع سيكون انتقال رأس المال الخاص من المشاركة في مرحلة البناء إلى المنافسة في مرحلة التشغيل. فإذا ارتفعت إيرادات الشركات الجديدة، وصادرات الخدمات، ومستويات الإنتاجية، أصبح النمو أقل ارتباطًا بدورة الإنفاق الحكومي.

وبحسب شقير، ستكتسب بيانات الأرباح، والاستثمار الأجنبي، والتوظيف والإنتاجية وزنًا متزايدًا في تقييم التحول السعودي خلال السنوات المقبلة، فيما سيظل سعر النفط متغيرًا مؤثرًا في قدرة الدولة على تمويل هذا التحول وسرعته.

من الخدمات الرقمية إلى إنتاجية الأعمال

وقال سامر شقير إن التحول الرقمي الحكومي في السعودية يجب ألا يُقرأ باعتباره تطورًا تقنيًا فقط، بعدما وصلت المملكة إلى المرتبة السادسة عالميًا في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية لعام 2024، بل باعتباره عاملًا يمكن أن يؤثر في تكلفة ممارسة الأعمال.

وأوضح شقير أن كلفة الإجراءات الإدارية تدخل في القرار الاستثماري حتى عندما لا تظهر كبند مستقل في القوائم المالية؛ فتأخر الترخيص أو ربط البيانات أو إتمام التعاقدات يؤجل التشغيل ويطيل الفترة الفاصلة بين استثمار رأس المال وتحصيل الإيرادات.

وأضاف أن الخدمة الحكومية الأسرع يمكن أن تؤدي وظيفة اقتصادية تشبه تطوير البنية التحتية، لأنها تقلل الاحتكاك الذي تواجهه الشركات عند دخول السوق والتوسع فيه. وأشار إلى أن الأثر قد يكون أكبر بالنسبة إلى الشركات الصغيرة التي تعمل بفرق محدودة للامتثال والإدارة، وكذلك الشركات الأجنبية التي تقارن سهولة التشغيل بين أسواق المنطقة.

لكن شقير شدد على أن الترتيب الدولي وحده لا يثبت ارتفاع الإنتاجية، موضحًا أن مؤشر الحكومة الإلكترونية يقيس تطور الخدمات الرقمية والبنية التقنية ورأس المال البشري، بينما يحتاج قياس العائد الاستثماري إلى متابعة مدة تأسيس الشركات، وتكلفة الامتثال، ومعدل استخدام الخدمات، ونمو الأعمال بعد دخولها السوق.

أثر يتجاوز قطاع التقنية

وقال سامر شقير إن انخفاض كلفة الإجراءات بصورة مستدامة يمكن أن ينعكس على قطاعات التمويل التقني والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والتجارة، من خلال منح الشركات قدرة أسرع على توسيع عملياتها.

وأضاف أن شركات البرمجيات المحلية يمكن أن تستفيد بصورة أكبر عندما تنتقل المؤسسات من مجرد رقمنة المعاملة إلى تحليل البيانات وتطوير خدمات ومنتجات جديدة حولها.

وأشار شقير إلى أن القيمة طويلة الأجل للتحول الرقمي تظهر عندما تصبح السرعة الإدارية ميزة للشركات العاملة في السوق، لا مجرد تحسن في تجربة المستخدم. وعندها يستطيع المستثمر قياس الأثر من خلال مؤشرات تشغيلية مثل نمو الإيرادات، وانخفاض الكلفة، وسرعة إطلاق المنتجات.

وقال إن السؤال التالي أمام الرياض لن يتعلق فقط بترتيبها في المؤشرات الدولية، بل بعدد الشركات التي استطاعت تحويل البيئة الرقمية إلى منتجات قابلة للتوسع داخل السعودية وخارجها.

سامر شقير يضع العائد فوق أرقام الوصول

وقال سامر شقير إن توسع السياحة السعودية يفتح فرصًا في الفنادق والطيران والنقل والتجزئة والخدمات الثقافية، لكنه أوضح أن ارتفاع عدد الزوار لا يكفي وحده للحكم على جاذبية الاستثمار.

وأضاف شقير أن المؤشرات الأكثر أهمية للمستثمر تشمل إنفاق الزائر، ومدة الإقامة، ومعدلات إشغال المنشآت، والعائد على رأس المال المستثمر في الوجهات الجديدة.

وأوضح أن مشروعات مثل الدرعية والعلا والبحر الأحمر تؤسس لأنواع مختلفة من الطلب السياحي، من الزيارات الثقافية إلى الضيافة عالية القيمة، وهو ما يمنح السعودية فرصة لتوزيع الطلب على مناطق ومواسم متعددة، لكنه يفرض في الوقت نفسه دراسة اقتصاديات كل وجهة بصورة مستقلة.

وقال شقير إن التراث يمكن النظر إليه باعتباره أصلًا اقتصاديًا يصعب استنساخه، لكن ندرته لا تضمن ربحيته. وأوضح أن القيمة التجارية تتحدد بقدرة الوجهة على الوصول إلى أسواق الزوار، وتقديم تجربة متسقة، وإدارة تكاليف التشغيل والصيانة دون إضعاف العناصر التي تمنحها تميزها.

وأشار إلى أن أثر الإنفاق السياحي يتجاوز الفنادق إلى الناقلات الجوية ومنظمي الرحلات والمطاعم ومتاجر التجزئة والشركات الصغيرة المحيطة بالوجهات، ولذلك فإن اتساع سلسلة التوريد المحلية يمكن أن يكون مؤشرًا أكثر دلالة على الأثر الاقتصادي للسياحة من عدد الغرف الجديدة وحده.

رأس المال الطويل الأجل ومخاطر التوقيت

أوضح سامر شقير أن الوجهات السياحية الكبرى تحتاج إلى إنفاق رأسمالي مبكر، بينما تنمو الإيرادات عادة على مراحل، ما يجعل العائد أكثر حساسية إذا افتُتحت الطاقة الفندقية بوتيرة أسرع من نمو الطلب أو ارتفعت تكاليف التمويل والتشغيل.

وأضاف شقير أن المنافسة بين الوجهات داخل المنطقة قد تضغط على الأسعار حتى مع ارتفاع أعداد المسافرين، ولذلك سيحتاج المستثمر المؤسسي إلى التمييز بين نجاح الوجهة في جذب الانتباه ونجاحها في تحقيق عوائد مستدامة.

وقال إن التقييم خلال السنوات المقبلة سيعتمد بصورة أكبر على الإيراد لكل غرفة متاحة، وإنفاق الزائر، والزيارات المتكررة، وحصة الموردين المحليين من النشاط الاقتصادي المتولد.

مشاركة المرأة وسوق العمل السعودي

قال سامر شقير إن اتساع مشاركة المرأة في سوق العمل السعودي يمثل تحولًا في حجم رأس المال البشري المتاح للاقتصاد، لكنه أوضح أن العائد الاقتصادي الكامل لا يتحدد بعدد المشاركات فقط، وإنما بنوعية الوظائف، وتطور الأجور، واستمرار المشاركة، ومدى انتقال المهارات إلى القطاعات الأعلى إنتاجية.

وبلغت مشاركة السعوديات في القوى العاملة 34.5% في الربع الثاني من 2025، مقارنة بـ22.8% للمواطنات في الربع الرابع من 2016، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء.

وأوضح شقير أن دخول مزيد من النساء إلى سوق العمل لا يعني فقط زيادة عدد العاملين، بل يمكن أن يغير قرارات الشركات بشأن التوسع، ويرفع الطلب على الخدمات، ويوسع قاعدة رواد الأعمال والمستهلكين، فيما تصبح الفائدة الاقتصادية أكبر عندما تقترن زيادة المشاركة بالتدريب والتقدم المهني.

وقال إن رأس المال البشري يُقاس بالطريقة نفسها التي تُقيّم بها الأصول الأخرى: حجم المورد المتاح مهم، لكن إنتاجيته هي التي تحدد العائد. ولذلك فإن نمو التوظيف في التقنية والخدمات المهنية والصناعة والإدارة يحمل دلالة استثمارية مختلفة عن ارتفاع المشاركة إذا تركزت المكاسب في وظائف منخفضة الإنتاجية.

ماذا يعني ذلك للشركات؟

وأشار سامر شقير إلى أن اتساع قاعدة المواهب يمكن أن يخفف بعض قيود التوظيف التي تواجه الشركات عند التوسع، كما قد يخلق طلبًا إضافيًا على النقل والرعاية والتعليم والخدمات المالية.

لكنه شدد على أن هذه فرص تجارية محتملة وليست نتائج مضمونة، إذ يتوقف حجمها على الأجور، وتكاليف الخدمات، وقدرة الشركات على تقديم منتجات تلبي الاحتياجات الفعلية.

وقال شقير إن المستثمرين سيحتاجون إلى متابعة الاحتفاظ بالموظفين، ونمو الأجور الحقيقية، ونسبة النساء في المناصب المتخصصة والقيادية، إلى جانب معدل المشاركة العام.

وختم شقير بأن الأثر الاقتصادي الأعمق يظهر عندما تستطيع الشركات تحويل اتساع قوة العمل إلى إنتاجية وأرباح مستدامة، وعندها يصبح ارتفاع المشاركة في سوق العمل جزءًا من معادلة تخصيص رأس المال، وليس مجرد مؤشر اجتماعي.