بوابة أبو الهول الاخبارية

سامر شقير: تفتيش المركزي الإماراتي على فروع بنك مصر يُعيد تسعير مخاطر الامتثال بالدولار

الإثنين 31 أغسطس 2026 11:39 صـ 17 ربيع أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن قرار مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي إجراء تفتيش خاص وعاجل على فروع بنك مصر العاملة في الدولة، عقب مقترح أمريكي بتصنيفها مؤسسة مالية ذات مخاوف رئيسية تتعلق بغسل الأموال وتقييد وصولها إلى خدمات المراسلة المصرفية بالدولار، تجاوز كونه إجراءً مصرفيًّا محليًّا.
وأوضح شقير، أن الخطوة مثَّلت اختبارًا لقدرة المراكز المالية الخليجية على حماية بنيتها الدولارية وسمعتها التنظيمية في بيئة جيوسياسية أكثر تشددًا، مشيرًا إلى أن المستثمر المؤسسي بدأ يعيد تسعير مخاطر الامتثال والعقوبات باعتبارها محددًا مستقلًا لتكلفة التمويل وتخصيص رأس المال وتقييم البنوك العابرة للحدود.
وأضاف أن المستثمرين سيفصلون بين مخاطر كيان محدد ومخاطر النظام المالي الإماراتي ككل، مؤكدًا أن رأس المال سيتجه بصورة أكبر إلى المؤسسات القادرة على إثبات جودة الحوكمة، وليس فقط إلى البنوك صاحبة الميزانيات الأكبر.

الدولار يعيد تعريف مخاطر البنوك
أشار سامر شقير، إلى أن شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية FinCEN طرحت، بموجب المادة 311 من قانون باتريوت، مقترح قاعدة يصنّف فروع بنك مصر في الإمارات كمؤسسة مالية أجنبية ذات مخاوف رئيسية تتعلق بغسل الأموال.
وقال شقير: إن المقترح يمنع المؤسسات المالية الأمريكية من فتح حسابات مراسلة أو الاحتفاظ بها لصالح هذه الفروع، ويلزمها بإجراءات عناية مشددة لمنع مرور معاملات مرتبطة بها، لكنه شدد على أن الإجراء لا يزال في مرحلة الإشعار بفترة تعليقات عامة مدتها 30 يومًا ولم يتحول بعد إلى قاعدة نهائية.
ولفت إلى أن واشنطن قدّرت أن الفروع المعنية عالجت نحو 1.8 مليار دولار بين يناير 2024 ويونيو 2026 لصالح 103 شركات قالت إنها قد تكون جزءًا من شبكات مصرفية موازية مرتبطة بإيران، ضمن حملة أوسع أطلقت عليها اسم Operation Economic Outcast.
وشدد شقير على أن هذا التوصيف يظل اتهامًا تنظيميًّا أمريكيًّا قيد الإجراءات، وليس حكمًا قضائيًّا صادرًا عن السلطات الإماراتية أو المصرية.

فصل المخاطر بين الإمارات ومصر
وأوضح سامر شقير، أن بنك مصر أكد استمرار فرعه الإماراتي في تقديم الخدمات والوفاء بحقوق العملاء، وأن الإجراء المقترح يقتصر على عملياته داخل الإمارات ولا يمتد إلى أعماله في مصر أو فروعه بالدول الأخرى.
وأضاف شقير أن البنك المركزي المصري أكد بدوره أن الأثر محصور في معاملات الفرع الإماراتي مع المراسلين بالدولار، معتبرًا أن هذا الفصل القانوني مهم للمستثمرين، لأن المخاطر التشغيلية تبدو مركزة جغرافيًّا، بينما يمكن لمخاطر السمعة والتمويل الدولاري أن تنتقل بصورة غير مباشرة إذا طال عدم اليقين.

الإمارات تختبر صلابة مركزها المالي
قال سامر شقير: إن الإمارات بنت مركزها المالي على ثلاث ركائز رئيسية هي عمق أسواق رأس المال، وكفاءة البنية التحتية للمدفوعات، والقدرة على ربط التجارة الإقليمية بالنظام الدولاري العالمي.
وأشار شقير إلى أن أي تهديد لحسابات المراسلة لا يُقرأ باعتباره ملف امتثال داخليًّا فقط، بل باعتباره ضغطًا على وظيفة الوساطة المالية التي تقوم عليها دبي وأبوظبي.
وأوضح أن مصرف الإمارات المركزي أكد أن الفروع تخضع للقانون المحلي، وأن البنوك المرخصة مطالبة بعدم تعريض النظام المالي لمخاطر السمعة أو إساءة استخدام البنية التحتية المالية المتطورة للدولة.
وأضاف شقير أن التفتيش العاجل ركز على الفترة الواردة في البيان الأمريكي، وعلى الشركات المذكورة فيه، مع دراسة الخيارات المتاحة بشأن وضع البنك إذا أُقر التدبير الأمريكي نهائيًّا.

الامتثال يتحول إلى أصل استثماري
لفت سامر شقير إلى أن سرعة التحرك الإماراتي اكتسبت أهمية خاصة، بعدما خرجت الدولة من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF في فبراير 2024، ثم أُزيلت لاحقًا من قائمة الاتحاد الأوروبي للدول الثالثة عالية المخاطر.
وقال شقير: إن اقتراب دورة التقييم المتبادل لمجموعة فاتف يجعل أي ملف أمريكي مرتبط بغسل الأموال اختبارًا لاستدامة الإصلاح الرقابي، معتبرًا أن التفتيش العاجل كان رسالة إلى الأسواق بقدر ما كان إجراءً إداريًّا تجاه بنك واحد.
وأكد أن المستثمر المؤسسي لا يشتري في هذه المرحلة رواية سياسية، بل يشتري جودة الاستجابة الرقابية، موضحًا أن «حين يتحرك مصرف مركزي خلال يوم واحد لحماية حسابات المراسلة، فإن الرسالة الموجهة لصناديق الاستثمار هي أن تكلفة فقدان الوصول إلى الدولار أعلى من تكلفة تقييد رخصة فرع أجنبي».

الأثر الأكبر خارج الميزانية
قال سامر شقير: إن حضور بنك مصر في الإمارات محدود نسبيًّا مقارنة بالبنوك الوطنية الإماراتية، ولذلك لا يُتوقع أن يغير الملف وحده ميزان القطاع المصرفي الإماراتي من حيث الأصول أو الائتمان.
وأوضح شقير أن التأثير الأهم سيظهر في ثلاثة أسواق مترابطة هي خدمات المراسلة، وتمويل التجارة بين مصر ودول الخليج، وتسعير مخاطر الدولة للكيانات المالية غير المقيمة.
وأضاف أن المستثمرين في الدخل الثابت سيميلون إلى فصل الجدارة الائتمانية السيادية لمصر عن حدث تشغيلي في فرع خارجي، طالما بقي النطاق محصورًا، لكن علاوة المخاطر على أدوات الدين المصرفية المصرية قد تتأثر إذا اعتُبر الملف دليلًا على ضعف أنظمة فحص العقوبات في التوسعات الخارجية.
وأشار شقير إلى أن غياب رد فعل سعري موثق حتى الآن يعني أن السوق لم يحول القضية إلى صدمة نظامية، فيما سيراقب مديرو الأصول مدة التحقيق، ونطاق أي قيود إماراتية لاحقة، واحتمال امتداد العناية الواجبة الأمريكية إلى بنوك أخرى.

السعودية والخليج أمام «علاوة امتثال» جديدة
قال سامر شقير: إن مديري المحافظ يميزون عادة بين خطر الكيان، وخطر القطاع، وخطر الولاية القضائية، معتبرًا أن الحالة الحالية تبدأ من المستوى الأول، بينما يصبح الخطر أكبر إذا انتقل إلى تشديد شامل على البنوك الأجنبية في الإمارات أو إلى إعادة تسعير المركز المالي بأكمله من جانب المراسلين العالميين.
وأضاف شقير أن الملف يلامس تنافسية دبي وأبوظبي والرياض في جذب الودائع الإقليمية وتمويل التجارة وإدراجات أسواق المال ومكاتب إدارة الثروات.
وأشار إلى أن البنوك السعودية والإماراتية الكبرى التي تستثمر في أنظمة فحص العقوبات والتعرف على المستفيد النهائي قد تستفيد من إعادة تسعير «علاوة الامتثال»، بينما قد تواجه البنوك الأضعف رقابيًّا ارتفاع تكلفة خطوط الدولار وتشديد شروط حسابات nostros وإبطاء الاعتمادات المستندية.

المخاطر والفرص
أوضح سامر شقير أن المخاطر القريبة تتمثل في احتمال إقرار القاعدة الأمريكية بعد انتهاء فترة التعليقات، وما قد يعنيه ذلك من قطع قدرة الفروع الإماراتية لبنك مصر على المقاصة بالدولار عبر المؤسسات الأمريكية، إضافة إلى احتمال اتخاذ المركزي الإماراتي إجراءات ترخيصية إضافية إذا كشفت المراجعة عن مخالفات.
وأضاف شقير أن الحذر قد ينتقل إلى الشركات التي تعتمد على التحويلات الدولارية السريعة، كما قد تمتد العناية الواجبة الأمريكية إلى أطراف مقابلة أخرى إذا رأت واشنطن استخدام أكثر من قناة.
في المقابل، رأى أن الضغط يخلق فرصًا للبنوك الإماراتية صاحبة أنظمة الالتزام الناضجة وعلاقات المراسلة المستقرة، إضافة إلى شركات التكنولوجيا المالية العاملة في فحص العقوبات ومراقبة المعاملات وتحليل المستفيد الحقيقي.

السيناريوهات التي يراقبها المستثمرون
رجح سامر شقير أن يبقى السيناريو الأساسي محصورًا في التفتيش الإماراتي خلال الأسابيع المقبلة، من دون تعميم القيود على بنوك أخرى، بما يجعل الأثر الأساسي إعادة تسعير مخاطر فرع محدد مع ارتفاع محدود في تكلفة الامتثال.
أما السيناريو الثاني، فقال إنه يتمثل في إقرار التدبير الأمريكي، بما يؤدي عمليًّا إلى توقف الدولار المراسل للفروع المعنية، واضطرار المركزي الإماراتي إلى تحديد وضع تشغيلي جديد يحمي العملاء المحليين.
وأضاف أن السيناريو الثالث، والأقل احتمالًا وفق المعطيات المتاحة، يتمثل في اتساع الحملة الأمريكية إلى مؤسسات إضافية تستخدم الممر نفسه، بما قد يرفع علاوة المخاطر على المركز المالي ككل.
واختتم سامر شقير بأن المستثمرين سيراقبون نص أي قرار نهائي من FinCEN، ونتائج التفتيش الإماراتي، وسلوك خطوط المراسلة لدى البنوك العالمية الكبرى، وحركة ودائع الشركات في الفروع المعنية.
وقال إن «العائد الإضافي لا يأتي من مطاردة النمو الائتماني بأي ثمن، بل من المؤسسات التي تحوّل الامتثال إلى ميزة تنافسية تقلل كلفة رأس المال»، مؤكدًا أن حوكمة الشركات لم تعد بندًا ثانويًّا في تقارير المخاطر، بل أصبحت متغيرًا مباشرًا في نموذج تقييم البنوك وتخصيص رأس المال في الخليج.