سامر شقير: استمرار الصراع الأوكراني يُعزز جاذبية الاقتصادات الخليجية لرؤوس الأموال
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن مرور عام على القمة الأمريكية-الروسية في ألاسكا، في أغسطس 2025، لم يقُد إلى انفراج قريب في الصراع الأوكراني، ما فرض على المستثمرين المؤسسيين إعادة تقييم مخاطر الطاقة والديون السيادية وسلاسل التوريد.
وأوضح شقير، أن استمرار التوتر أصبح عاملًا ماكرو اقتصاديًّا يؤثر مباشرة في أسعار النفط والغاز وتكاليف التمويل السيادي وتوجهات الاستثمار في البنية التحتية والطاقة المتجددة، مشيرًا إلى أن الأسواق العالمية ظلت رهينة تقلبات الطاقة وتدفقات رأس المال الباحثة عن ملاذات أكثر استقرارًا.
وأضاف شقير، أن هذا الواقع يدفع المؤسسات إلى إعادة هيكلة المحافظ نحو أصول قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية وتوليد عوائد مستقرة على المدى الطويل.
ضغوط متزايدة على الاقتصاد الروسي
وأشار سامر شقير، إلى أن التوقعات بتحول سريع نحو اتفاق شامل بعد قمة ألاسكا لم تتحقق، فيما رأى محللون روس أن موسكو لم تحقق اختراقًا حاسمًا على الأرض، بينما واصلت كييف وشركاؤها الأوروبيون تقديم الدعم العسكري والمالي.
ولفت شقير، إلى أن الضربات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة الروسية أدت إلى انخفاض إنتاج المشتقات البترولية وارتفاع أسعار الوقود محليًّا، ما زاد الضغوط على الميزانية الفيدرالية، قائلًا: إن الإيرادات النفطية والغازية تراجعت بشكل ملحوظ خلال الفصول الأولى من 2026، بينما تجاوز العجز الموازني المستهدف السنوي في وقت مبكر، وانخفضت احتياطيات الصناديق السيادية السائلة نسبة إلى الناتج المحلي.
وأوضح شقير، أن هذه التطورات جعلت قدرة الاقتصاد الروسي على تمويل جهده العسكري أكثر ارتباطًا بأسعار المواد الخام وتدفقات الصادرات، في ظل استمرار العقوبات الغربية وتضييق الخناق على الأسطول الظلي.
وأضاف شقير، أن اضطرابات أسواق الطاقة المرتبطة أيضًا بتطورات الشرق الأوسط أبقت أسعار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة من التقلب، ما رفع تكاليف الطاقة في أوروبا وأثر في التضخم وقرارات البنوك المركزية.
رأس المال يبحث عن المرونة
قال سامر شقير: إن استمرار الصراع دفع المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة توزيع رأس المال نحو قطاعات أقل تعرضًا للمخاطر الجيوسياسية المباشرة، مع زيادة الاهتمام بالطاقة المتجددة وسلاسل التوريد البديلة والدفاع والأمن السيبراني واللوجستيات، إلى جانب الأسواق الناشئة ذات الأساسيات المالية القوية والبرامج التنموية الواضحة.
وأكد شقير، أن الدرس الأبرز للمستثمرين في 2026 تمثل في أن المخاطر الجيوسياسية لم تعد حدثًا عابرًا، بل أصبحت جزءًا هيكليًّا من تسعير الأصول، موضحًا أن بناء المحافظ على افتراض عودة سريعة إلى الوضع الطبيعي قد يعرض المستثمرين لخسائر في القيمة الحقيقية، بينما يمنح التنويع الجغرافي والقطاعي والتحول نحو الأصول الإنتاجية المحافظ مرونة أكبر.
وأضاف شقير، أن التركيز كان ينبغي أن ينصب على الاقتصادات القادرة على تحويل الضغوط الخارجية إلى محركات داخلية للنمو، من خلال برامج التنويع الاقتصادي والاستثمار في البنية التحتية والذكاء الاصطناعي، بدلًا من الرهان على توقيت انتهاء صراع بعينه.
الخليج في قلب تدفقات رأس المال
وأشار سامر شقير، إلى أن السعودية ودول الخليج برزت كوجهات أكثر جاذبية في هذه البيئة، بدعم من رؤية 2030 وصندوق الاستثمارات العامة، وما يرتبط بهما من تحولات في التصنيع والسياحة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا.
وأوضح شقير، أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وبرامج الخصخصة وتطوير الأسواق المالية، بما في ذلك تداول وهيئة السوق المالية، تعزز الشفافية والحوكمة، وهما عنصران أساسيان في قرارات المستثمرين المؤسسيين.
وقال شقير: إن قطاع الطاقة الخليجي قد يستفيد من الطلب العالمي على الإمدادات المستقرة، التقليدية ومنخفضة الكربون، بينما تفتح مشاريع مثل نيوم والمناطق اللوجستية فرصًا في البنية التحتية والعقارات التجارية المرتبطة بالتجارة الدولية.
وحذر شقير في المقابل من أن الشركات الأوروبية شديدة الاعتماد على الطاقة المستوردة قد تواجه ضغوطًا على هوامشها، ما قد يدفع إلى إعادة توطين بعض سلاسل الإنتاج أو البحث عن شراكات في مناطق أكثر أمانًا للإمداد.
وأكد شقير، أن تجاهل البعد الخليجي في تخصيص رأس المال لعام 2026 قد يعني تفويت إحدى أبرز قصص النمو الهيكلي، مع توقع جذب الاقتصادات التي تجمع بين الاستقرار السياسي والمالية العامة القوية والبرامج التنموية الطموحة حصة متزايدة من رؤوس الأموال الباحثة عن عوائد معدلة بالمخاطر.
فرص في الطاقة والدفاع والتكنولوجيا
حدد سامر شقير أبرز الفرص في الطاقة المتجددة والهيدروجين، مدفوعة بالحاجة إلى أمن الطاقة، والدفاع والأمن السيبراني مع ارتفاع الإنفاق الحكومي، والتصنيع المتقدم واللوجستيات في المناطق التي تعيد بناء سلاسل الإمداد، إلى جانب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لرفع الإنتاجية وتقليل الاعتماد على العمالة في البيئات غير المستقرة.
وفي أسواق الدين، توقع شقير أن تحظى السندات السيادية للدول ذات الفوائض المالية بطلب أقوى، في حين تظل الديون المرتبطة بالاقتصادات الأكثر تعرضًا للصراع تحت الضغط.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
وقال سامر شقير: إنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون انفراج سياسي، فمن المرجح استمرار تقلب أسواق الطاقة والضغوط على الاقتصاد الروسي، بالتوازي مع زيادة جاذبية الوجهات الاستثمارية المتنوعة مثل دول الخليج.
أما إذا تحقق تقدم نحو تسوية، فقد تشهد أسعار الطاقة تصحيحًا وتنخفض علاوات المخاطر الجيوسياسية، بما يدعم الأصول الدورية في أوروبا والأسواق الناشئة المرتبطة بها.
وأكد شقير، أن الاستراتيجية الناجحة لا تقوم على التنبؤ الدقيق بتوقيت التسوية، وإنما على بناء محافظ مرنة تركز على الأصول القادرة على تحقيق قيمة في بيئة عدم اليقين، سواء عبر التدفقات النقدية المستقرة أو القدرة على التوسع خلال دورات النمو التالية.
إعادة معايرة المحافظ في 2026
واختتم سامر شقير، بأن العام الحالي يمثل فرصة لصناديق الثروة السيادية ومديري الأصول وصناديق الأسهم الخاصة لإعادة معايرة محافظها حول موضوعات هيكلية تشمل أمن الطاقة، والتنويع الاقتصادي في الأسواق الناشئة المستقرة، والتحول الرقمي.
وأشار شقير، إلى أن الاقتصاد السعودي، مدعومًا برؤية 2030 وصندوق الاستثمارات العامة، يحتفظ بموقع متميز لاستقطاب جزء من هذه التدفقات، مؤكدًا أن الاستثمار المؤسسي الذكي في 2026 لن يعتمد على انتظار نهاية الصراع، بل على استغلال الفرص التي يخلقها استمرار التوتر في إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، بما يتيح للمستثمرين الذين يقرأون التحولات مبكرًا تحقيق عوائد مستدامة معدلة بالمخاطر على المدى المتوسط والطويل.
