سامر شقير: التعافي غير المتوازن في الصين يفرض قواعد جديدة لتخصيص رأس المال
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن تباطؤ نمو أرباح الشركات الصناعية الصينية يمثل مؤشرًا مهمًا على أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم يمر بمرحلة تعافٍ هيكلي غير متوازن، تعتمد بصورة متزايدة على الصادرات والقطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في مقابل استمرار ضعف الطلب المحلي والاستثمار الداخلي.
وأوضح شقير، أن بيانات المكتب الوطني للإحصاء الصيني أظهرت تباطؤ نمو أرباح الشركات الصناعية إلى 15.1% على أساس سنوي خلال يونيو، مقارنة بـ21.1% في مايو، بينما بلغ نمو الأرباح خلال النصف الأول من العام 18.7%.
وأضاف شقير، أن هذه المؤشرات تحمل انعكاسات مباشرة على تدفقات رأس المال العالمية، وأسواق السلع، واستراتيجيات الاستثمار المؤسسي، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة ودول الخليج.
وأشار شقير، إلى أن التطورات الأخيرة تكشف عن اتساع الفجوة بين القطاعات التقنية والصناعات التقليدية، وهو ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر والعوائد داخل السوق الصينية التي لا تزال تمثل أحد أهم محركات النمو العالمي.
الاقتصاد الصيني يدخل مرحلة تعافٍ انتقائي
أوضح سامر شقير، أن أرباح الشركات الصناعية الكبرى في الصين ارتفعت خلال الأشهر الستة الأولى من العام بنسبة 18.7% لتصل إلى نحو 3.95 تريليون يوان، إلا أن وتيرة النمو بدأت تتراجع تدريجيًّا بعدما سجلت 24.7% في أبريل، ثم 21.1% في مايو، قبل أن تتباطأ إلى 15.1% في يونيو.
وأضاف شقير، أن هذا المسار يعكس اعتماد الاقتصاد الصيني بصورة أكبر على الإنتاج الصناعي والصادرات الخارجية لتعويض استمرار ضعف الاستهلاك المحلي والضغوط الممتدة في قطاع العقارات.
وأشار شقير، إلى أن انتهاء فترة انكماش أسعار المنتجين، التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات، ساهم في تحسين هوامش الربحية خلال الربع الثاني، بعدما ارتفعت أسعار المصنع بنسبة 3.6% على أساس سنوي، موضحًا أن تراجع أسعار النفط والطاقة خلال يونيو، بالتزامن مع عودة حركة الناقلات عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها الطبيعية، فرض ضغوطًا إضافية على أرباح قطاعات المواد الخام والبتروكيماويات.
القطاعات التقنية تقود النمو.. والصناعات التقليدية تتراجع
قال سامر شقير: إن التفاوت بين القطاعات أصبح السمة الأبرز للاقتصاد الصناعي الصيني خلال الفترة الحالية.
وأوضح شقير، أن قطاع الإلكترونيات، وأجهزة الكمبيوتر، ومعدات الاتصالات سجل نموًا في الأرباح بلغ نحو 96.9% خلال النصف الأول من العام، مدفوعًا بالطلب العالمي المتزايد على قدرات الحوسبة والرقائق والذاكرة المرتبطة بالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، ليسهم بجزء كبير من إجمالي نمو الأرباح الصناعية، مضيفًا أن قطاعات المعادن غير الحديدية والمواد الخام حققت أيضًا أداءً قويًا بدعم من ارتفاع أسعار النحاس والألمنيوم.
وأشار شقير، إلى أن أرباح صناعة السيارات تراجعت بنحو 19.5% خلال النصف الأول رغم استمرار قوة الصادرات، بينما تعرضت صناعات الأثاث والقطاعات الاستهلاكية لضغوط واضحة نتيجة ضعف الإنفاق الأسري.
وأكد شقير، أن هذه الفجوة تعكس اعتماد النمو الحالي على قطاعات تقنية وصادرات خارجية أكثر من اعتماده على انتعاش واسع في الطلب المحلي.
قراءة سامر شقير.. رأس المال يميز بين القطاعات
أكد سامر شقير، أن البيانات الصينية تعيد رسم أولويات المستثمرين المؤسسيين على مستوى العالم.
وأوضح شقير، أن المستثمرين أصبحوا يميزون بصورة واضحة بين الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد المتقدمة من جهة، والقطاعات التقليدية المعتمدة على الاستهلاك المحلي من جهة أخرى، وأضاف قائلًا: إن المستثمر المؤسسي بات يميز بوضوح بين القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد المتقدمة، والقطاعات التقليدية المعتمدة على الاستهلاك المحلي، هذا التمييز يدفع إلى إعادة تسعير المخاطر في الأسواق الناشئة ويقلل من الاعتماد على فرضية التعافي المتزامن.
وأشار شقير، إلى أن هذا التباطؤ يعزز جاذبية الاقتصادات التي تمتلك طلبًا محليًّا أكثر قوة وسياسات واضحة لتنويع مصادر النمو.
وأوضح شقير، أن التحول نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على الصادرات التقنية في الصين يخلق فرصًا للمستثمرين الباحثين عن تعرض انتقائي، لكنه في المقابل يرفع تكلفة رأس المال على الشركات التي تعاني فائضًا في الطاقة الإنتاجية داخل القطاعات التقليدية.
انعكاسات مباشرة على الأسواق العالمية
أوضح سامر شقير، أن أداء القطاع الصناعي الصيني يظل أحد أهم العوامل المؤثرة في أسواق السلع والطاقة العالمية.
وأشار شقير، إلى أن الصين تمثل أكبر مستهلك للنفط وعدد كبير من المعادن الصناعية، وهو ما يجعل استمرار ضعف الطلب الداخلي عاملًا ضاغطًا على أسعار النفط والمواد الخام، حتى مع استمرار النشاط التصديري.
وأكد شقير، أن الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي تواصل دعم الطلب على المعادن الاستراتيجية المستخدمة في التقنيات الحديثة، وهو ما يخلق تباينًا واضحًا داخل أسواق السلع نفسها.
السعودية والخليج.. فرص جديدة وسط إعادة تشكيل سلاسل التوريد
قال سامر شقير: إن هذه التحولات تحمل دلالات مهمة للاقتصاد السعودي ودول الخليج في ظل تسارع تنفيذ مستهدفات رؤية السعودية 2030 واستثمارات صندوق الاستثمارات العامة.
وأوضح شقير، أن توجُّه الصين نحو تعزيز الصناعات التقنية والتصنيع المتقدم يتقاطع مع جهود المملكة في تطوير صناعات الإلكترونيات، والطاقة المتجددة، والتعدين.
وأضاف شقير، أن استمرار ضعف الطلب الاستهلاكي داخل الصين قد يدفع عددًا من الشركات العالمية إلى تنويع سلاسل التوريد والبحث عن أسواق أكثر استقرارًا، وهو ما يفتح فرصًا إضافية أمام المنطقة.
وأكد شقير، أن المستثمرين الخليجيين أمام فرصة لإعادة توجيه جزء من التدفقات نحو القطاعات التي تستفيد من إعادة ترتيب سلاسل التوريد العالمية، خصوصًا التصنيع المتقدم، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية الرقمية. التباطؤ الصيني لا يعني انكماشًا شاملًا، بل إعادة توزيع للقيمة.
المخاطر والفرص الاستثمارية
أشار سامر شقير، إلى أن أبرز المخاطر تتمثل في احتمال استمرار ضعف الطلب المحلي الصيني لفترة أطول، بما قد يحد من قدرة الشركات على تمرير ارتفاع التكاليف ويضغط على هوامش الربحية داخل الصناعات التقليدية.
وأضاف شقير، أن أي تباطؤ إضافي في الاستثمار المحلي قد ينعكس أيضًا على نمو الناتج المحلي الإجمالي ويؤثر في ثقة المستثمرين العالميين.
وأكد شقير، أن الفرص لا تزال قائمة داخل القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والطاقة الجديدة، والمعادن الاستراتيجية، كما أن التفاوت في الأداء قد يسرع من عمليات الاندماج والاستحواذ داخل السوق الصينية، ويفتح المجال أمام رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في شركات مختارة.
النظرة الاستراتيجية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تؤكد أهمية الابتعاد عن فرضية التعافي الاقتصادي المتجانس.
وأضاف شقير، أن الدرس الاستثماري الأبرز يتمثل في تجنب الرهان على تعافٍ شامل ومتزامن، المستثمر الذي يركز على القدرة التنافسية الهيكلية، ومرونة سلاسل التوريد، سيكون الأكثر قدرة على الاستفادة من الفرص التي يخلقها هذا التباين خلال المرحلة المقبلة.
وأكد سامر شقير في ختام رؤيته أن تباطؤ أرباح القطاع الصناعي الصيني لا يعكس انكماشًا واسعًا بقدر ما يشير إلى دخول الاقتصاد العالمي مرحلة أكثر انتقائية في تخصيص رأس المال، حيث أصبحت العوائد ترتبط بقدرة الشركات والقطاعات على التكيف مع التحولات التقنية والطلب الخارجي، أكثر من ارتباطها بالدورات التقليدية للنمو الاقتصادي.
