بوابة أبو الهول الاخبارية

من التجارة إلى الاستثمار.. سامر شقير يشرح كيف تُعيد الرسوم الأمريكية توجيه تدفقات رأس المال

الأحد 26 يوليو 2026 04:53 مـ 10 صفر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 24 يوليو 2026 تمثل تحولًا هيكليًّا في السياسة التجارية الأمريكية، بعدما فرضت رسومًا تتراوح بين 10% و12.5% على واردات قادمة من 60 شريكًا تجاريًّا، تغطي نحو 99.4% من إجمالي الواردات الأمريكية، استنادًا إلى تحقيقات المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974 المتعلقة بما وصفته واشنطن بفشل هذه الاقتصادات في فرض وإنفاذ حظر فعال على استيراد السلع المنتجة بالعمالة القسرية.
وأوضح شقير، أن هذه الرسوم جاءت لتحل محل التعريفة المؤقتة البالغة 10% التي انتهت صلاحيتها في التوقيت نفسه، بعدما كانت قد فُرضت عقب حكم المحكمة العليا الأمريكية في فبراير، والذي أبطل الرسوم المتبادلة السابقة.
وأضاف شقير، أن هذا القرار لا يمثل مجرد تعديل في السياسة التجارية، بل يعيد بناء جدار تعريفات أكثر صلابة من الناحية القانونية، ويحمل تداعيات مباشرة على تدفقات التجارة العالمية، وتكاليف الاستيراد، وإعادة تسعير المخاطر في سلاسل التوريد.
وأشار شقير، إلى أن الرسالة بالنسبة للمستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية ومديري الأصول أصبحت واضحة، وهي أن مرحلة التعريفات التجارية المنخفضة تتراجع تدريجيًّا لتحل محلها بيئة تجارية تفرض تكلفة إضافية على معظم السلع المتجهة إلى أكبر سوق استهلاكية في العالم، مع استمرار استثناءات استراتيجية تشمل الطاقة والأسمدة وبعض المواد الغذائية والسلع الخاضعة لرسوم أخرى.

التحول القانوني والاقتصادي في السياسة التجارية الأمريكية
قال سامر شقير: إن الإدارة الأمريكية استندت في قرارها إلى أن الولايات المتحدة تعد الدولة الوحيدة التي تطبق حظرًا فعالًا على واردات السلع المنتجة بالعمالة القسرية منذ ما يقارب قرنًا من الزمن، معتبرة أن غياب سياسات مماثلة لدى الشركاء التجاريين يشوه المنافسة ويضر بالعمال الأمريكيين.
وأوضح شقير، أن الرسوم الجديدة حُددت بنسبة 10% للاقتصادات التي اتخذت خطوات أو التزمت بحظر الواردات المرتبطة بالعمالة القسرية، ومن بينها كندا والمكسيك والهند وإندونيسيا والمملكة المتحدة وعدد من الدول الأخرى، بينما فُرضت نسبة 12.5% على بقية الاقتصادات الستين، بما في ذلك الصين وفيتنام وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية ومعظم دول الخليج.
وأضاف شقير، أن المادة 301 وفرت أساسًا قانونيًّا أكثر متانة مقارنة بالأدوات السابقة التي أبطلتها المحكمة العليا، وهو ما يقلص احتمالات إلغاء هذه الرسوم قضائيًّا خلال فترة قصيرة.
وأشار شقير، إلى أن الإدارة الأمريكية استثنت النفط والغاز والأسمدة وبعض المنتجات الغذائية، إضافة إلى السلع الخاضعة لرسوم المادة 232، مثل السيارات والصلب والألمنيوم، بما يخفف الضغط على القطاعات الحساسة ويحد من التأثير الفوري على معدلات التضخم في الولايات المتحدة.
وأكد شقير، أن هذه الخطوة تعكس تحولًا هيكليًّا في استخدام السياسة التجارية كأداة لإعادة تشكيل المزايا النسبية بين الاقتصادات، موضحًا أن المستثمرين المؤسسيين باتوا يتعاملون مع الرسوم الجمركية باعتبارها عاملًا دائمًا في نماذج التقييم، وليس مجرد صدمة مؤقتة.

إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية
أوضح سامر شقير، أن فرض رسوم أساسية تتراوح بين 10% و12.5% على غالبية الواردات الأمريكية يرفع التكلفة الحدية للسلع المستوردة، وهو ما سيدفع الشركات الأمريكية ومتعددة الجنسيات إلى إعادة تقييم استراتيجيات التوريد الخاصة بها.
وأضاف شقير، أن هذا الواقع من المرجح أن يسرع اتجاهات Nearshoring وFriendshoring نحو الأسواق التي تتمتع بترتيبات تجارية تفضيلية أو معدلات رسوم أقل، أو حتى نحو التصنيع المحلي عندما يكون ذلك ممكنًا.
وأشار شقير، إلى أن الشركات العالمية التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد من الدول ذات الرسوم الأعلى قد تواجه ضغوطًا على هوامش الربحية، لا سيما في قطاعات الإلكترونيات الاستهلاكية والمنسوجات والسلع الاستهلاكية المعمرة.
وقال شقير: إن المنتجين المحليين في الولايات المتحدة وبعض الموردين في الدول التي تستفيد من معدلات أقل أو من الاستثناءات قد يحققون مكاسب تنافسية، بينما ستراقب أسواق الدخل الثابت أي انعكاسات تضخمية محتملة على توقعات أسعار الفائدة، رغم أن استثناءات الطاقة والمواد الأساسية تحد من هذا التأثير في المدى القصير.
وأضاف شقير، أن أسواق السلع ستظل أقل تأثرًا في قطاع الطاقة بفضل الاستثناءات، بينما قد تواجه المنتجات التحويلية والبتروكيماويات والمنتجات الصناعية تكاليف إضافية عند دخول السوق الأمريكية.
وأكد شقير، أن هذه التطورات تعيد ترتيب أولويات الاستثمار في قطاعات اللوجستيات والمواني ومرافق التخزين، حيث أصبح الامتثال لسلاسل توريد خالية من العمالة القسرية يمثل ميزة تنافسية حقيقية، وليس مجرد متطلب تنظيمي.
وأشار شقير، إلى أن رأس المال المؤسسي يتجه بصورة متزايدة نحو الشركات القادرة على إثبات مرونة سلاسل التوريد وقدرتها على امتصاص التكاليف أو تمريرها إلى المستهلكين، مضيفًا أن تخصيص رأس المال في هذه البيئة يجب أن يركز على القدرة على التكيف الهيكلي أكثر من الاعتماد على النمو الدوري قصير الأجل.

تداعيات القرار على الاقتصاد الخليجي والسعودية
قال سامر شقير: إن السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عمان جاءت ضمن الدول الخاضعة للرسوم البالغة 12.5% على السلع غير المستثناة، إلا أن استثناء النفط والغاز وفر حماية أساسية لصادرات الطاقة الخليجية إلى الولايات المتحدة، بما يحافظ على التدفقات التجارية الرئيسية دون اضطرابات كبيرة.
وأوضح شقير، أن صادرات المنتجات الصناعية والبتروكيماويات والسلع المصنعة قد تواجه ضغوطًا إضافية، وهو ما يتقاطع مع برامج التنويع الاقتصادي ضمن رؤية السعودية 2030.
وأضاف شقير، أن هذا الواقع قد يدفع الحكومات والشركات الخليجية إلى تعزيز الأطر التنظيمية المرتبطة بالعمالة وشفافية سلاسل التوريد، سواء لتحسين موقعها التفاوضي أو لاستقطاب استثمارات أجنبية تبحث عن قواعد إنتاج تتوافق مع المعايير الأمريكية.
وأشار شقير، إلى أن البيئة الجديدة تفتح فرصًا أمام صندوق الاستثمارات العامة والمستثمرين السعوديين في قطاعات التصنيع المتقدم واللوجستيات والبنية التحتية المرتبطة بسلاسل التوريد البديلة، موضحًا أن الضغوط الواقعة على الموردين الآسيويين التقليديين قد تعزز جاذبية دول الخليج كمراكز إقليمية للتجميع وإعادة التصدير، خاصة في ظل الاستثمارات المتواصلة في المواني والمناطق الاقتصادية الخاصة.
وأكد شقير، أن الاقتصاد السعودي يمتلك فرصة استراتيجية لتحويل الضغوط التجارية العالمية إلى محفز لتسريع بناء قاعدة صناعية ولوجستية قادرة على خدمة الأسواق الغربية وفق معايير امتثال أعلى، بما يدعم مستهدفات رؤية 2030 في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتعزيز تنافسية الصادرات غير النفطية.

كيف يقرأ المستثمرون المؤسسيون المرحلة الجديدة؟
أوضح سامر شقير، أن المستثمرين المؤسسيين ينظرون إلى الرسوم الجديدة باعتبارها عاملًا هيكليًّا يرفع تكلفة رأس المال العامل لدى الشركات المستوردة، ويزيد في الوقت نفسه من أهمية معايير الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية وشفافية سلاسل التوريد.
وأضاف شقير، أن محافظ الأسهم أصبحت تميل إلى تفضيل الشركات التي تتمتع بقوة تسعيرية تمكنها من تمرير ارتفاع التكاليف، أو الشركات المستفيدة من إعادة توطين سلاسل الإنتاج.
وأشار شقير، إلى أن أسواق الأسهم الخاصة ورأس المال المغامر قد تشهد اهتمامًا متزايدًا بالشركات العاملة في تقنيات تتبع سلاسل التوريد، والامتثال، والذكاء الاصطناعي المستخدم في إدارة الموردين.
أما في أسواق الدخل الثابت والديون السيادية، فأكد شقير أن الاقتصادات الناشئة الأكثر تعرضًا لهذه الرسوم ستبقى تحت مراقبة المستثمرين لتقييم انعكاسات القرار على الحساب الجاري والنمو الاقتصادي.
وأضاف شقير، أن تدفقات رأس المال ستتجه بصورة أكبر نحو الاقتصادات التي توفر مزيجًا من التكلفة التنافسية والامتثال التنظيمي وإمكانية الوصول التفضيلي إلى السوق الأمريكية، أو نحو الأصول الأمريكية المرتبطة بالتصنيع والطاقة والبنية التحتية.
وقال شقير: إن نجاح تخصيص رأس المال خلال السنوات المقبلة لن يعتمد على محاولة التنبؤ بكل قرار جمركي جديد، وإنما على القدرة على إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية والتجارية ضمن نماذج التقييم طويلة الأجل.

الفرص الاستثمارية والمخاطر المستقبلية
قال سامر شقير: إن البيئة التجارية الجديدة تخلق فرصًا استثمارية في التصنيع داخل الولايات المتحدة ودول الخليج، إلى جانب تطوير الحلول التكنولوجية الخاصة بشفافية سلاسل التوريد، والاستفادة من الاستثناءات الممنوحة لقطاعات الطاقة والأسمدة والسلع الأساسية.
وأضاف شقير، أن هذه الرسوم قد تدفع بعض الدول أيضًا إلى تسريع إصلاحات أسواق العمل والسياسات التجارية بهدف الحصول على معدلات رسوم أقل أو توقيع اتفاقيات تفضيلية مع الولايات المتحدة.
وأشار شقير، إلى أن المخاطر لا تزال قائمة، وفي مقدمتها تصاعد النزاعات التجارية المتبادلة، وارتفاع تكاليف المدخلات في عدد من القطاعات، إضافة إلى احتمال تراكم الضغوط التضخمية إذا جرى توسيع الرسوم أو رفع معدلاتها مستقبلًا.
وأوضح شقير، أن استمرار حالة عدم اليقين التنظيمي قد يدفع بعض الشركات العالمية إلى تأجيل قرارات الإنفاق الرأسمالي والاستثمار.

رؤية استراتيجية للمستثمرين
اختتم سامر شقير قائلًا: إن الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة، التي جاءت تحت مظلة مكافحة العمالة القسرية، تؤكد أن السياسة التجارية أصبحت أداة دائمة لإعادة تشكيل المزايا التنافسية العالمية، ولم تعد مجرد استجابة مؤقتة للظروف الاقتصادية.
وأضاف شقير، أن المستثمرين المؤسسيين في المنطقة والعالم أصبحوا مطالبين ببناء محافظ استثمارية أكثر قدرة على التكيف مع بيئة تجارية تتسم بارتفاع التكاليف، مع الاستفادة من التحولات المتسارعة في سلاسل التوريد نحو الأسواق الأكثر مرونة والتزامًا بالمعايير التنظيمية.
وأكد شقير، أن الاقتصاد السعودي والخليجي يمتلكان فرصة لتحويل هذه الضغوط الخارجية إلى محركات داخلية للنمو عبر تعزيز التصنيع واللوجستيات والتنويع الاقتصادي، مشيرًا إلى أن النجاح في تخصيص رأس المال خلال المرحلة المقبلة سيعتمد على تبني رؤية طويلة الأجل تدمج المخاطر التجارية والجيوسياسية ضمن التحليل الاستثماري، وتبحث عن القيمة في القدرة على التكيف أكثر من الاعتماد على النمو غير المقيد.