سامر شقير: استخدام العملات المشفرة لتجاوز العقوبات يعيد تعريف معايير المخاطر في أسواق الأصول الرقمية
أكد رائد الاستثمار سامر شقير أن التوسع المتزايد في استخدام العملات المشفرة من قبل الدول والكيانات الخاضعة للعقوبات يعكس تحولاً هيكلياً في طبيعة المخاطر داخل النظام المالي العالمي، مشيراً إلى أن الأصول الرقمية لم تعد تتحرك فقط وفق عوامل السوق التقليدية مثل الأسعار والسيولة، بل أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بالتطورات الجيوسياسية والاعتبارات التنظيمية الدولية.
وأوضح سامر شقير أن النمو السريع في تدفقات العملات المشفرة المرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات، خاصة في إيران وروسيا وكوريا الشمالية، يعكس ظهور قنوات مالية موازية تستخدم تقنيات البلوك تشين في عمليات التسوية والتجارة والتحويلات، وهو ما يفرض على المستثمرين المؤسسيين إعادة تقييم منهجيات قياس المخاطر في قطاع الأصول الرقمية.
وقال سامر شقير إن "هذا النمو السريع في استخدام الكريبتو لأغراض جيوسياسية يعيد تعريف علاوة المخاطر في الأصول الرقمية، حيث لم يعد بإمكان المستثمرين المؤسسيين التعامل معها كفئة معزولة عن السياسة الدولية".
وأشار سامر شقير إلى أن البيئة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة سوق العملات المشفرة على التطور كفئة استثمارية مستقلة، في ظل تصاعد التركيز العالمي على الامتثال التنظيمي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
وأوضح سامر شقير أن العقوبات المالية المفروضة على عدد من الدول خلال السنوات الماضية دفعت بعض الجهات إلى البحث عن بدائل خارج النظام المصرفي التقليدي، حيث وفرت العملات المشفرة، وخاصة العملات المستقرة، أدوات تسوية أسرع وأكثر مرونة مقارنة بالقنوات المالية التقليدية، وهو ما دفع الحكومات والجهات الرقابية إلى تطوير أطر أكثر صرامة لتنظيم هذا القطاع.
وأكد سامر شقير أن هذا التحول لا يعني فقدان العملات الرقمية لدورها الاستثماري أو التكنولوجي، لكنه يغير طريقة تقييمها من قبل المؤسسات المالية الكبرى، حيث أصبح من الضروري دمج المتغيرات الجيوسياسية ومخاطر الامتثال ضمن نماذج تحليل الأصول الرقمية.
وأضاف أن المستثمر المؤسسي لم يعد ينظر فقط إلى أداء العملات الكبرى مثل البيتكوين والإيثيريوم، بل يركز بشكل أكبر على طبيعة البنية التحتية المحيطة بها، ومدى التزام المنصات والمشروعات بمعايير الحوكمة والشفافية والقدرة على التعامل مع المتطلبات التنظيمية العالمية.
وقال سامر شقير: "المستثمر المؤسسي الناجح اليوم لا يكتفي بمراقبة أسعار البيتكوين أو الإيثيريوم، بل يدمج في نماذجه مؤشرات التدفقات الجيوسياسية وقدرة الأنظمة التنظيمية على التكيف. تخصيص رأس المال يجب أن يميز بين الابتكار المالي الحقيقي والأنشطة التي تحمل مخاطر سمعة وتنظيمية مرتفعة".
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد على الأرجح توسعاً في الطلب على الشركات التي تقدم حلول تحليل البلوك تشين، وتتبع المعاملات، وأدوات الامتثال الرقمي، باعتبارها جزءاً أساسياً من البنية التحتية الجديدة للأسواق المالية.
وأوضح أن صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول العالميين سيحتاجون إلى إعادة تقييم تعرضهم المباشر وغير المباشر للأصول الرقمية، مع التركيز على المخاطر المرتبطة بالمنصات غير المنظمة أو الأنشطة التي قد تؤدي إلى قيود تنظيمية مفاجئة أو تأثيرات على السيولة.
وأكد سامر شقير أن فرص الاستثمار في قطاع التكنولوجيا المالية الرقمية ستتركز بشكل أكبر في الشركات التي تجمع بين الابتكار والحوكمة، مثل مزودي حلول الأمن السيبراني، وتقنيات التحقق من الهوية، ومنصات الامتثال، والبنية التحتية المالية الرقمية المنظمة.
وفيما يتعلق بالاقتصاد الخليجي، أوضح سامر شقير أن المنطقة تمتلك فرصة مهمة للاستفادة من التحولات الجارية في سوق الأصول الرقمية، خاصة مع توجه دول الخليج إلى بناء اقتصادات رقمية متقدمة ضمن برامج التنويع الاقتصادي.
وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية، في إطار مستهدفات رؤية 2030، تركز على تطوير اقتصاد رقمي متطور يجمع بين الابتكار المالي والحوكمة المؤسسية، وهو ما يعزز قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية الباحثة عن بيئات مالية مستقرة ومنظمة.
وأضاف سامر شقير أن تعزيز مكانة المراكز المالية الخليجية يتطلب الحفاظ على معايير عالية في الامتثال والشفافية، خاصة في ظل إعادة تشكيل العلاقة بين التكنولوجيا المالية والنظام المالي العالمي.
وأكد سامر شقير أن المخاطر الرئيسية في المرحلة المقبلة تتمثل في احتمال توسع القيود التنظيمية على بعض المنصات أو الوسطاء المرتبطين بتدفقات غير شفافة، إضافة إلى المخاطر المتعلقة بالعملات المستقرة ومدى قدرة الجهات المصدرة لها على إدارة مخاطر السيولة والطرف المقابل.
وفي المقابل، أوضح أن هذه التحديات تخلق فرصاً جديدة أمام الشركات التي تطور حلولاً تساعد المؤسسات المالية والحكومات على تحسين الرقابة والتحليل وإدارة المخاطر في البيئة الرقمية.
وقال سامر شقير: "النجاح في بيئة 2026 وما بعدها يتطلب قدرة على قراءة التقاطع بين السياسة النقدية والجيوسياسية والتكنولوجيا المالية. الدول والمؤسسات التي تبني جسوراً بين الابتكار والحوكمة ستكون في موقع أفضل لجذب رؤوس الأموال طويلة الأجل".
وأشار إلى أن الاتجاه المستقبلي لرأس المال المؤسسي سيتركز على الأصول الرقمية المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي والاستخدامات التجارية المشروعة، مع تقليل التعرض للقنوات التي تحمل مخاطر تنظيمية أو جيوسياسية مرتفعة.
واختتم رائد الاستثمار سامر شقير تحليله بالتأكيد على أن مستقبل الأصول الرقمية لن يتحدد فقط من خلال التطور التكنولوجي أو حركة الأسعار، بل من خلال قدرة الأسواق والمؤسسات على بناء نموذج يجمع بين الابتكار والثقة والامتثال، موضحاً أن الدول التي تنجح في تحقيق هذا التوازن ستكون الأكثر قدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل في الاقتصاد الرقمي العالمي.
