سامر شقير: تراجع الجنيه المصري يبرز أهمية الإدارة الانتقائية لرأس المال في الأسواق الناشئة
أكد رائد الاستثمار سامر شقير أن التراجع الأخير في قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي يعكس مرحلة جديدة من إعادة تقييم المخاطر في الأسواق الناشئة، مشيراً إلى أن تحركات العملات في البيئة الحالية لم تعد مرتبطة فقط بالعوامل الاقتصادية الداخلية، بل أصبحت تتأثر بدرجة كبيرة بالتطورات الجيوسياسية العالمية والإقليمية وحركة تدفقات رأس المال.
وأوضح سامر شقير أن الجنيه المصري فقد نحو 4% من قيمته أمام الدولار خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من يوليو 2026، ليصبح من بين العملات الأسوأ أداءً خلال هذه الفترة، في ظل تجدد التوترات الإقليمية المرتبطة بالصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران، وهو ما أعاد الضغوط على الأسواق الناشئة التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات والطاقة والتدفقات الاستثمارية الخارجية.
وقال سامر شقير إن "التراجع الحالي للجنيه ليس مجرد تصحيح دوري، بل إشارة إلى أن تخصيص رأس المال في الأسواق الناشئة يتطلب الآن تمييزاً أدق بين المخاطر الجيوسياسية والمخاطر الهيكلية. المستثمرون المؤسسيون الذين يبحثون عن عوائد حقيقية في أدوات الدين المصرية يجب أن يوازنوا بين العائد الاسمي المرتفع ومخاطر إعادة التسعير المفاجئة لسعر الصرف".
وأشار سامر شقير إلى أن السوق المصرية مرت خلال الأشهر الماضية بمرحلة من الاستقرار النسبي بعد إجراءات الإصلاح الاقتصادي وتعويم العملة في عام 2024 وبرنامج التعاون مع صندوق النقد الدولي، لافتاً إلى أن ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية إلى مستويات قياسية تجاوزت 55 مليار دولار في يونيو يمثل عامل دعم مهم، إلا أن إدارة التوقعات في ظل تقلبات الطاقة والأسواق العالمية تظل تحدياً رئيسياً.
وأوضح سامر شقير أن تحركات سعر الصرف الأخيرة تعكس بشكل أساسي حساسية المستثمرين الأجانب تجاه المخاطر الإقليمية، موضحاً أن الدولار ارتفع أمام الجنيه إلى مستويات قياسية قرب 55 جنيهاً خلال مارس 2026 في ذروة التصعيد الأول، قبل أن يتحسن الجنيه تدريجياً إلى مستويات أقل من 49 جنيهاً في بداية يوليو، ثم يعود للتراجع إلى نحو 51.3 جنيه مع نهاية الشهر.
وأضاف أن هذا التذبذب يؤكد أهمية النظر إلى الأسواق الناشئة من منظور طويل الأجل، حيث لا تعكس التحركات قصيرة المدى دائماً تغيرات جوهرية في الأساسيات الاقتصادية، لكنها تكشف مدى تأثير المخاطر الجيوسياسية على قرارات المستثمرين وتدفقات رؤوس الأموال.
ولفت سامر شقير إلى أن خروجاً جزئياً من أدوات الدين المحلية جاء نتيجة ارتفاع مستوى عدم اليقين، في الوقت الذي تواجه فيه الشركات المصرية ضغوطاً من زيادة تكاليف الاستيراد، خاصة في قطاعات الغذاء والطاقة، بينما يواصل البنك المركزي المصري الحفاظ على معدلات فائدة مرتفعة بهدف السيطرة على التضخم الذي سجل نحو 14% في يونيو.
وأكد سامر شقير أن الاقتصاد المصري يواجه مزيجاً من التحديات الخارجية والداخلية، موضحاً أن أي اضطرابات محتملة في حركة التجارة الإقليمية أو مضيق هرمز قد تؤثر على أسعار الطاقة العالمية وتزيد من فاتورة الواردات، كما قد تضغط على إيرادات قناة السويس والسياحة نتيجة تغير أنماط النقل والشحن الإقليمي.
وأشار إلى أن استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتحسن الاحتياطيات وزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في بعض القطاعات يمثل عناصر إيجابية يمكن أن تدعم الاقتصاد على المدى المتوسط، رغم استمرار حساسية سعر الصرف للتطورات الخارجية.
وأوضح سامر شقير أن المرحلة الحالية تخلق فرصاً استثمارية انتقائية داخل السوق المصرية، خاصة في القطاعات التي تستفيد من انخفاض قيمة العملة وتحسن القدرة التنافسية، مثل الشركات المصدرة والصناعات التحويلية والقطاعات التي تحقق إيرادات بالعملات الأجنبية.
وقال: "في بيئة تتسم بتجدد الصراعات الإقليمية، يصبح تخصيص رأس المال أكثر انتقائية. الفرص الحقيقية تكمن في القطاعات التي تستفيد من انخفاض قيمة العملة محلياً، مثل التصدير والتصنيع، شريطة أن تكون محمية من صدمات الطاقة. أما المستثمرون الخليجيون، فيجب أن ينظروا إلى مصر كجزء من محفظة إقليمية أوسع، حيث يمكن للتنويع عبر الحدود أن يخفف من مخاطر سعر الصرف المنفردة".
وأضاف أن الشركات التي تعتمد بشكل كبير على المدخلات المستوردة قد تواجه ضغوطاً على هوامش الربحية، بينما يمكن للشركات ذات النموذج التصديري أو القادرة على توليد تدفقات نقدية بالعملات الأجنبية الاستفادة من الظروف الحالية.
وأشار سامر شقير إلى أن سوق أدوات الدخل الثابت المصرية تظل جاذبة من حيث العوائد الاسمية، لكنها تحتاج إلى إدارة دقيقة للمخاطر، خصوصاً في ظل حساسية التدفقات الأجنبية لأي تصعيد جديد أو تغير في توقعات أسعار الفائدة العالمية.
وأوضح أن التطورات في مصر ترتبط بشكل مباشر باستراتيجيات الاستثمار الخليجية، باعتبارها إحدى الوجهات الرئيسية لتدفقات صناديق الثروة السيادية السعودية والإماراتية في قطاعات العقارات والطاقة والسياحة، مؤكداً أن أي تغيرات في سعر الصرف تستدعي إعادة تقييم مستمرة لتسعير الأصول والمشروعات المشتركة.
وأكد أن البيئة الحالية تعزز أهمية الاستثمار عبر المحافظ المتنوعة جغرافياً وقطاعياً، موضحاً أن توزيع المخاطر بين الأسواق الخليجية الأكثر استقراراً والأسواق الناشئة ذات فرص النمو الأعلى يمكن أن يوفر توازناً أفضل للمستثمرين المؤسسيين.
وأضاف سامر شقير أن الاقتصاد الرقمي والتصنيع والطاقة المتجددة تمثل قطاعات واعدة في مصر خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار الإصلاحات الهيكلية ووجود فرص متزايدة في البنية التحتية والمشروعات المرتبطة بالتنمية المستدامة.
وقال: "المستثمرون الذين يتبنون منظوراً طويل الأجل يدركون أن تقلبات سعر الصرف في الأسواق الناشئة غالباً ما تخلق نقاط دخول جذابة عندما تكون الاحتياطيات كافية والإصلاحات مستمرة. المفتاح يكمن في إدارة المخاطر من خلال التنويع الجغرافي والقطاعي، مع التركيز على الحوكمة والقدرة على توليد التدفقات النقدية بالعملات الصعبة".
واختتم سامر شقير تحليله بالتأكيد على أن عام 2026 يمثل مرحلة تتطلب دقة أكبر في تخصيص رأس المال، مشيراً إلى أن قدرة المستثمرين على التمييز بين الصدمات المؤقتة والتحولات الهيكلية ستكون العامل الأهم في بناء محافظ قادرة على تحقيق قيمة مستدامة.
وأوضح أن الجنيه المصري قد يظل عرضة للتذبذب على المدى القريب في ظل استمرار الضغوط الإقليمية، إلا أن قوة الاحتياطيات واستمرار الإصلاحات يمكن أن توفر قاعدة للتعافي حال تحسن البيئة الجيوسياسية، مؤكداً أن مصر ستبقى جزءاً مهماً من استراتيجيات الاستثمار الإقليمية التي تبحث عن مزيج بين فرص النمو وإدارة المخاطر في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
