سامر شقير: الفرصة الحقيقية في التمويل الاستهلاكي الرقمي تكمن في الجودة الائتمانية والابتكار
أكد رائد الاستثمار سامر شقير أن التوسع المتسارع في قطاع التمويل الاستهلاكي الرقمي في مصر يمثل تحولاً هيكلياً في السوق المالي، يعيد رسم خريطة المخاطر والفرص أمام المستثمرين المؤسسيين، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب انتقاءً دقيقاً للاستثمارات والتركيز على الشركات التي تنجح في تحقيق التوازن بين التوسع الرقمي والانضباط الائتماني.
وأوضح سامر شقير أن أنشطة التمويل غير المصرفي في مصر سجلت نمواً قوياً، حيث بلغت محافظ التمويل 417 مليار جنيه، فيما وصل إجمالي التمويلات التراكمية إلى 1.4 تريليون جنيه بنهاية عام 2025، وهو ما يعادل 54% من إجمالي التمويلات الموجهة للأفراد والقطاع الخاص.
وأضاف سامر شقير أن هذا التوسع، الذي تقوده نماذج "اشتر الآن وادفع لاحقاً"، جاء في ظل الإصلاحات الاقتصادية التي تضمنت خفض الدعم وارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي وفر دعماً فورياً للاستهلاك وقطاع التجزئة، لكنه في الوقت نفسه رفع من مستويات الديون الأسرية، وهو ما يستدعي متابعة دقيقة لجودة الأصول والمحافظ الائتمانية.
وأشار سامر شقير إلى أن الرسالة الاستراتيجية للمستثمرين في المرحلة الحالية تتمثل في أن التعرض الانتقائي للقطاع أكثر جدوى من التوسع الواسع، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار الفائدة وتقلب مستويات الدخل الحقيقي.
وأضاف سامر شقير أن التمويل الاستهلاكي الميسر لم يعد مجرد وسيلة لتسهيل عمليات الشراء اليومية، بل تحول إلى قناة رئيسية لإعادة توزيع السيولة داخل الاقتصاد المصري، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على معدلات النمو والتضخم والاستقرار المالي.
وأوضح أن استمرار الضغوط الناتجة عن تعديلات الدعم وارتفاع معدلات التضخم دفع هذه المنصات إلى تعويض جزء من تراجع القوة الشرائية، الأمر الذي غير سلوك المستهلكين وفتح آفاقاً جديدة أمام تدفقات رؤوس الأموال إلى القطاع المالي غير المصرفي.
وأكد أن المستثمرين المؤسسيين مطالبون بالنظر إلى هذا التحول من زاوية استدامة الجودة الائتمانية وليس فقط من منظور النمو في حجم الأعمال، مع دراسة تأثيره على ميزانيات البنوك والأسر والاقتصاد بشكل عام.
وأوضح سامر شقير أن التوسع في التمويل الاستهلاكي جاء متزامناً مع مرحلة إصلاح اقتصادي شملت خفض الدعم على الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدخل الحقيقي للأسر. ولفت إلى أن بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية أظهرت وصول حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي إلى 417 مليار جنيه بنهاية عام 2025، بينما بلغ إجمالي التمويلات الممنوحة من الجهات الخاضعة لرقابتها نحو 1.4 تريليون جنيه، بما يمثل 54% من إجمالي التمويلات المقدمة للقطاع الخاص والعائلات والأفراد الطبيعيين، كما تجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد مع تسجيل معدلات تعثر أقل من 3%.
وقال سامر شقير إن هذه المؤشرات تعكس انتقالاً هيكلياً من التمويل غير الرسمي إلى قنوات تمويل مرخصة وأكثر شفافية، وهو ما يسهم في تحسين كفاءة تخصيص رأس المال على المدى المتوسط، ويحد من المخاطر النظامية المرتبطة بالقروض غير الموثقة.
وأشار إلى أن خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقاً" لعبت دوراً محورياً في تسريع وتيرة نمو القطاع، حيث أتاحت للمستهلكين تقسيط المشتريات على فترات قصيرة، بما خفف الضغط المباشر على التدفقات النقدية للأسر. وأضاف أن بعض الشركات الرائدة في التمويل الاستهلاكي سجلت معدلات نمو تجاوزت 50% في محافظها خلال عام واحد، مدفوعة بزيادة الطلب على السلع المعمرة والإلكترونيات والخدمات.
وأكد أن هذا النمو يعزز التحول الرقمي ويرفع مستويات الشمول المالي، كما يدعم إيرادات قطاعي التجزئة والتجارة الإلكترونية في وقت يواجه فيه الإنفاق التقليدي ضغوطاً متزايدة.
وأضاف سامر شقير أن القيمة الحقيقية لهذه المنصات لا تقتصر على التمويل، وإنما تتمثل في قدرتها على بناء قواعد بيانات سلوكية دقيقة للعملاء، بما يسمح بتطوير نماذج الاكتتاب وتحسين قرارات منح الائتمان وتقليل احتمالات التعثر، شريطة استمرار الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية وتعزيز الامتثال التنظيمي.
وأوضح أن التوسع الحالي يدعم الطلب الاستهلاكي على المدى القصير، ويسهم في الحفاظ على معدلات نمو إيجابية في قطاعات التجزئة والخدمات، بما قد يخفف من الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الاعتماد المتزايد على التمويل السهل قد يؤدي إلى تغذية الضغوط التضخمية إذا تزامن مع ارتفاع الواردات، كما قد يرفع مستويات المديونية الأسرية في بيئة لا تزال أسعار الفائدة فيها مرتفعة.
وأشار سامر شقير إلى أن المنافسة بين البنوك التقليدية والمؤسسات المالية غير المصرفية على الحصة السوقية في التمويل الاستهلاكي قد تقود إلى موجة من الشراكات الاستراتيجية أو عمليات الدمج، مؤكداً أن انخفاض معدلات التعثر الحالية يوفر هامش أمان مؤقتاً، لكنه لا يمثل ضمانة لاستمرار جودة المحافظ إذا تباطأ نمو الدخول أو ارتفعت تكلفة التمويل.
وحذر سامر شقير من أن أي تراجع في جودة المحافظ الائتمانية سينعكس سريعاً على تقييمات الشركات العاملة في القطاع، كما سيرفع تكلفة التمويل، مؤكداً أهمية متابعة مؤشرات رئيسية تشمل نسبة خدمة الدين إلى الدخل ومستويات الإنفاق الحقيقي للأسر باعتبارها مؤشرات مبكرة على جودة الائتمان.
وأضاف أن صناديق التحوط وشركات الأسهم الخاصة ومكاتب العائلات أصبحت تنظر إلى القطاع المصري باهتمام متزايد، مع تفضيل الشركات التي تجمع بين النمو القوي والقدرة على إدارة المخاطر باستخدام التقنيات الحديثة، لافتاً إلى أن رأس المال الإقليمي قد يجد فرصاً جاذبة من خلال الشراكات أو الاستثمار المباشر في المنصات الرقمية التي تمتلك قواعد عملاء واسعة ونماذج أعمال قابلة للتوسع.
وأوضح أن البنوك التقليدية تواجه خيارين رئيسيين يتمثلان في المنافسة المباشرة أو التعاون مع منصات التمويل الرقمي، بينما يبقى الخطر الأكبر مرتبطاً بأي تشديد تنظيمي مفاجئ أو ارتفاع غير متوقع في معدلات التعثر.
وأكد سامر شقير أن المستثمرين سيركزون خلال الاثني عشر شهراً المقبلة على متابعة تطور معدلات التعثر الشهرية وأي تحديثات تنظيمية تصدر عن الهيئة العامة للرقابة المالية، إلى جانب بيانات الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي، مشيراً إلى أنه خلال فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات من المتوقع أن يشهد السوق مرحلة من التوحيد تؤدي إلى بروز لاعبين أكثر كفاءة وقدرة على التوسع الإقليمي وجذب استثمارات أجنبية أكبر.
واختتم سامر شقير تصريحه بالتأكيد على أن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات تقييم الائتمان وإدارة المخاطر سيكون العامل الحاسم في تحديد الشركات الفائزة خلال السنوات المقبلة، مشدداً على أن الفرصة الحقيقية للمستثمرين تكمن في بناء تعرضات استثمارية متنوعة تركز على الجودة الائتمانية والابتكار التكنولوجي، وليس على النمو الحجمي فقط، محذراً من أن تجاهل مخاطر التراكم الائتماني قد يحول فرصة اليوم إلى عبء في المستقبل.
