ليس شراء النجوم.. سامر شقير يكشف السر الحقيقي وراء نجاح إمبراطورية ريد بول
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن الصورة المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي ظهر فيها يورغن كلوب بصفته رئيس كرة القدم العالمية في مجموعة ريد بول، وهو يقف أمام خلفية تحمل شعارات الشركة وملعب كرة قدم بتعبير جاد، لم تكن مجرد لقطة إعلامية عابرة، بل عكست تحولاً عميقاً في فلسفة الاستثمار المؤسسي داخل صناعة كرة القدم العالمية.
وأوضح شقير أن انضمام كلوب إلى ريد بول في يناير 2025 كرئيس عالمي لكرة القدم، ثم تصريحاته التي انتقد فيها التدخل السياسي في قرارات الاتحاد الدولي لكرة القدم خلال كأس العالم 2026، وتحذيره بأن "هذه رياضتنا وليست رياضتهم"، كشفا عن مرحلة جديدة تتقاطع فيها ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في صعود نماذج الملكية متعددة الأندية (Multi-Club Ownership)، وتصاعد الضغوط على حوكمة المؤسسات الرياضية الدولية، والقيمة الاقتصادية المتنامية لكرة القدم التي تجاوزت إيرادات سوقها العالمية 31 مليار دولار خلال عام 2026.
وأضاف أن هذا النموذج يستحق اهتمام المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية، خاصة أنه يقوم على تطوير المواهب وتعظيم قيمة العلامة التجارية بدلاً من التركيز على الربحية السريعة، في وقت أصبحت فيه مخاطر التسييس تهدد تقييمات الأصول الرياضية وصفقات حقوق بث كأس العالم 2026 التي تراوحت قيمتها بين 3.7 و4.2 مليار دولار.
توسع ريد بول غيّر مفهوم الاستثمار في كرة القدم
وأشار سامر شقير إلى أن تعيين كلوب جاء امتداداً لاستراتيجية توسعية بدأت ريد بول في تنفيذها منذ عام 2005، عندما شرعت في بناء شبكة عالمية من الأندية شملت ريد بول سالزبورغ في النمسا، وآر بي لايبزيغ في ألمانيا، ونيويورك ريد بولز في الولايات المتحدة، وريد بول براغانتينو في البرازيل.
وأوضح شقير أن المجموعة اعتمدت نموذج التكامل الرأسي للمواهب، والذي يقوم على اكتشاف اللاعبين صغار السن، وتأهيلهم داخل أكاديميات متطورة، ثم نقلهم بين الأندية المختلفة التابعة للمجموعة مع الالتزام بقواعد اللعب المالي النظيف.
وأكد أن هذا النهج يختلف بصورة جوهرية عن نماذج الاستثمار التقليدية التي تعتمد على شراء النجوم الجاهزين بمبالغ ضخمة، لافتاً إلى أن تقديرات الصناعة أظهرت أن ريد بول خصصت استثمارات كبيرة للبنية التحتية والتحليلات البيانية بدلاً من الإنفاق المكثف على الانتقالات، وهو ما عزز هامش الربحية على المدى الطويل ورفع القيمة التسويقية لعلامتها التجارية الأساسية في قطاع مشروبات الطاقة.
وأضاف شقير أن قطاع كرة القدم العالمي يواصل النمو مدفوعاً بحقوق البث والرعايات، إذ بلغت القيمة العالمية لحقوق البث الرياضي نحو 56 مليار دولار، فيما أصبحت بطولة كأس العالم 2026 الأكثر ربحية في تاريخ البطولة بإيرادات متوقعة بلغت 8.9 مليار دولار، رغم استمرار الجدل المرتبط بالتدخلات الخارجية.
تحول ريد بول من راعٍ رياضي إلى مالك لمنظومة كروية عالمية
وأوضح سامر شقير أن الصورة عكست تحولاً استراتيجياً مهماً، إذ لم تعد ريد بول مجرد جهة راعية للأحداث الرياضية، وإنما أصبحت مالكاً ومديراً فعلياً لشبكة عالمية من أندية كرة القدم.
وأكد شقير أن هذا النموذج وفر مستوى أعلى من التنويع الجغرافي والعُمري، وخفف المخاطر الاستثمارية، كما أتاح فرصاً إضافية لتحقيق الأرباح سواء من بيع المواهب داخل شبكة الأندية أو من انتقالهم إلى أندية خارج المجموعة.
وأضاف قائلاً إن النموذج متعدد الأندية الذي تبنته ريد بول أثبت أن القيمة الحقيقية لا تكمن في صفقات النجوم قصيرة الأجل، وإنما في بناء منظومة متكاملة لتطوير المواهب وتعظيم قيمة العلامة التجارية، وهو ما يجعله نموذجاً يستحق اهتمام صناديق الثروة السيادية الباحثة عن استثمارات أكثر استدامة.
كرة القدم أصبحت أصلاً استثمارياً طويل الأجل
وأشار سامر شقير إلى أن قطاع كرة القدم أصبح يُصنف ضمن الأصول البديلة ذات النمو المركب، موضحاً أن الإيرادات تعتمد على ثلاثة مصادر رئيسية تتمثل في حقوق البث، والرعايات التجارية، ثم إيرادات المباريات والأنشطة التجارية.
وأضاف شقير أن الجدل الذي أثاره كلوب بشأن تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو في القرار الانضباطي الخاص باللاعب فلورين بالوجون، سلط الضوء على مخاطر التسييس التي قد تؤثر بصورة مباشرة في ثقة الرعاة وشركات البث.
وأوضح أن أي تراجع في نزاهة القرارات التحكيمية والتنظيمية قد ينعكس سلباً على القيمة طويلة الأجل لحقوق البث، خصوصاً بعد توسع كأس العالم إلى 48 منتخباً، بينما يعزز وجود شخصيات تحظى بمصداقية عالمية مثل كلوب من جاذبية الاستثمار في الأندية المرتبطة بعلامات تجارية قوية.
تنافس بين النماذج المؤسسية والاستثمارات السيادية
وأكد سامر شقير أن ريد بول تخوض منافسة مباشرة مع نماذج استثمارية أخرى مثل مجموعة سيتي لكرة القدم المدعومة من أبوظبي، إضافة إلى الاستثمارات التي تقودها صناديق الثروة السيادية الخليجية.
وأوضح شقير أن ريد بول تعتمد على الكفاءة التشغيلية وفلسفة الضغط العالي الموحدة بين جميع أنديتها، بينما ترتكز الاستثمارات الخليجية في كثير من الأحيان على استقطاب النجوم العالميين بهدف تعزيز الحضور الدولي ودعم السياحة الرياضية.
وأضاف أن المنافسة بين النماذج المؤسسية والاستثمارات السيادية ستحدد مستقبل صناعة كرة القدم، مؤكداً أن المستثمرين الذين يجمعون بين الحوكمة الصارمة والاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا، كما فعلت ريد بول، سيكونون الأكثر قدرة على تحقيق عوائد مستدامة.
المتغيرات الاقتصادية تؤثر في قيمة الأندية
وأوضح سامر شقير أن قيمة الأصول الرياضية ترتبط بصورة وثيقة بدورات الاقتصاد الكلي، حيث يؤدي انخفاض أسعار الفائدة إلى تشجيع الاستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية الرياضية، بينما يرفع التضخم من تكاليف الرواتب وصفقات الانتقالات.
وأضاف شقير أن تقلبات أسعار الصرف تؤثر أيضاً في الأندية الأوروبية التي تعتمد على إيرادات دولية، مشيراً إلى أن الصورة أبرزت كذلك الدور المؤثر للإعلام الرياضي، ومنه الجزيرة الرياضية، في تشكيل الرأي العام تجاه هذه الاستثمارات، الأمر الذي جعل إدارة السمعة جزءاً أساسياً من استراتيجية رأس المال.
دروس مهمة لصناديق الثروة السيادية الخليجية
وقال سامر شقير إن تجربة ريد بول تقدم دروساً مهمة لصناديق الثروة السيادية في الخليج، وفي مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF)، الذي استثمر في نادي نيوكاسل يونايتد، وأسهم في تطوير الدوري السعودي للمحترفين ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز السياحة الرياضية.
وأوضح شقير أن التركيز على الحوكمة والاستدامة المالية أصبح عاملاً أساسياً لجذب رؤوس الأموال المؤسسية العالمية، لافتاً إلى أن الجدل الدائر حول التدخلات السياسية داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم يُذكر المستثمرين بأهمية دعم إصلاحات الحوكمة الدولية للحفاظ على جاذبية الاستثمارات الرياضية.
وأضاف أن الاستثمارات الخليجية في الرياضة لم تعد مجرد صفقات مالية، بل أصبحت جزءاً من استراتيجيات وطنية شاملة، إلا أن استدامتها تظل مرهونة بوجود بيئة حوكمة عالمية مستقرة وشفافة، وهو ما أبرزته تصريحات كلوب بصورة واضحة.
المخاطر التي تواجه المستثمرين
ورأى سامر شقير أن المستثمرين يجب أن يضعوا في اعتبارهم عدداً من المخاطر الرئيسية، وفي مقدمتها مخاطر الحوكمة الناتجة عن التدخلات السياسية التي قد تقلل ثقة الرعاة وتضغط على قيمة حقوق البث.
وأضاف شقير أن هناك أيضاً مخاطر تنظيمية ترتبط بقواعد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم الخاصة بالملكية متعددة الأندية، والتي قد تحد من التوسع، فضلاً عن مخاطر السمعة الناتجة عن اعتراضات الجماهير على بعض الاستحواذات التجارية كما حدث مع نادي لايبزيغ، إضافة إلى مخاطر ارتفاع تقييمات الأندية بصورة تجعل الصفقات أقل جاذبية ما لم يصاحبها تطوير تشغيلي حقيقي.
فرص واعدة أمام رأس المال الرياضي
وأكد سامر شقير أن القطاع لا يزال يوفر فرصاً استثمارية كبيرة، خاصة في مجالات التكنولوجيا الرياضية والتحليلات البيانية التي تتصدر فيها ريد بول المشهد، بالإضافة إلى كرة القدم النسائية والأسواق الناشئة التي تشهد نمواً متسارعاً.
وأضاف شقير أن الربط بين الاستثمارات الرياضية والسياحة، كما يحدث في رؤية السعودية 2030، يخلق عوائد اقتصادية غير مباشرة، إلى جانب الفرص التي تتيحها الشراكات الإعلامية والمنصات الرياضية التي تستفيد من الطلب المتزايد على المحتوى التحليلي.
التوجيه الاستراتيجي للمستثمرين
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية ينبغي أن يراقبوا عن كثب مسار إصلاحات الحوكمة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحادات القارية، باعتبارها العامل الأكثر تأثيراً في استقرار القطاع وقدرته على جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل.
وأوضح شقير أن نموذج ريد بول أثبت أن الاستثمار في البنية التحتية والمواهب والعلامة التجارية يحقق قيمة اقتصادية أعلى وأكثر استدامة من الاعتماد على صفقات النجوم وحدها، مؤكداً أن دول الخليج تمتلك فرصة لقيادة المرحلة المقبلة من الاستثمار الرياضي عبر الجمع بين مستهدفات رؤية 2030 ومعايير الحوكمة العالمية، مع ضرورة تبني استراتيجيات للتحوط من المخاطر السياسية والتنظيمية من خلال التنويع الجغرافي والتركيز على الأصول التي تتمتع بإدارة مؤسسية قوية.
واختتم بالقول إن الصورة التي ظهر فيها يورغن كلوب لم تكن مجرد مشهد رياضي، بل مثلت انعكاساً واضحاً لمستقبل كرة القدم باعتبارها صناعة استثمارية عالمية ناضجة، تقوم على النزاهة والكفاءة المؤسسية بقدر ما تقوم على المنافسة داخل المستطيل الأخضر.
