بوابة أبو الهول الاخبارية

سامر شقير: قوة السرد القصصي أصبحت من أهم أدوات جذب الاستثمارات المؤسسية

الثلاثاء 7 يوليو 2026 12:54 مـ 21 محرّم 1448 هـ
سامر شقير:
سامر شقير:

قال سامر شقير، رائد الاستثمار، إن تحليلاً متداولاً ضمن خلاصة "For You" على إحدى المنصات الرقمية الرائدة، قدمه روب دي. ويليس، كشف بصورة واضحة كيف أصبح السرد القصصي أحد أهم المحركات المؤثرة في نجاح السياسات الاقتصادية وجذب الاستثمارات المؤسسية.

وأوضح شقير أن التحليل وصف خطاب الرئيس الأمريكي ليندون جونسون بأنه "من أكثر الخطابات السياسية إقناعاً على الإطلاق"، بعدما اعتمد على ثلاث حركات رئيسية تمثلت في بناء عالم ملموس، ثم الربط بعاطفة إنسانية عميقة، وأخيراً الانتقال إلى دعوة مباشرة للفعل، لينتهي إلى خلاصة مفادها أن "السر ليس في السياسة، بل في السرد القصصي".

وأضاف أن هذا التحليل يعكس آلية جوهرية في تصميم السياسات الاقتصادية التحويلية، مؤكداً أن المستثمرين المؤسسيين، وصناديق الثروة السيادية، ومكاتب العائلات في دول الخليج، باتوا يدركون أن القدرة على صياغة قصة اقتصادية متماسكة ومقنعة أصبحت عاملاً رئيسياً في نجاح برامج التنويع الاقتصادي الكبرى، وفي مقدمتها رؤية المملكة العربية السعودية 2030.

بناء عالم ملموس يعزز قبول الإصلاحات الاقتصادية

وأشار سامر شقير إلى أن التحليل بدأ بتفسير أولى ركائز خطاب جونسون، وهي بناء عالم واقعي من خلال تفاصيل يومية قريبة من الجمهور، حيث لم يكتفِ جونسون بالحديث عن الفقر كمفهوم عام، بل قال: "درست في كوتولا بولاية تكساس، وكان الأطفال يأتون إلى المدرسة دون إفطار... جائعين"، وهو ما جعل القضية أكثر قرباً وتأثيراً من أي خطاب نظري.

وأكد شقير أن هذه التقنية نجحت آنذاك في تحويل قضية اقتصادية مجردة إلى واقع إنساني ملموس، وأسهمت تاريخياً في تمرير برامج "المجتمع العظيم" التي تضمنت استثمارات حكومية ضخمة في التعليم وتنمية رأس المال البشري، وهو ما انعكس على سوق العمل والإنفاق العام والاستهلاك في الولايات المتحدة خلال منتصف ستينيات القرن الماضي.

وأضاف أن الاقتصادات الخليجية تواجه اليوم تحدياً مشابهاً يتمثل في إقناع المواطنين والمستثمرين بضرورة التحول من النموذج الريعي إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، مشيراً إلى أن السرد الذي يربط الإصلاحات بقصص حقيقية عن الشباب والفرص المستقبلية يسهم في تقليل مقاومة التغيير ويعزز تقبل المجتمع للإصلاحات.

السرد المتماسك يخفض مخاطر التنفيذ

وأوضح سامر شقير أن المرحلة الثانية من التحليل ركزت على البعد العاطفي، حيث استند جونسون إلى ما وصفه بـ"الإصابة الأخلاقية" الناتجة عن رؤية آثار الفقر على الأطفال، قائلاً: "لن تنسى أبداً ما يمكن أن يفعله الفقر والكراهية عندما ترى الندوب على وجه طفل يافع مليء بالأمل".

وأكد شقير أن هذا النوع من السرد لا يخلق تعاطفاً مؤقتاً فقط، بل يبني التزاماً طويل الأجل تجاه السياسات العامة، حتى وإن كانت تتطلب استثمارات كبيرة أو إصلاحات صعبة.

وأضاف أن المستثمرين المؤسسيين ينظرون إلى وجود سرد اقتصادي قوي باعتباره مؤشراً على انخفاض مخاطر التنفيذ السياسية والاجتماعية، وهو ما ينعكس على انخفاض تكلفة رأس المال، واستقرار البيئة الاستثمارية، وتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، والحفاظ على تقييمات الأصول عند مستويات تعكس تراجع علاوة المخاطر السياسية.

الاستثمار في الإنسان يقود التحول الاقتصادي

وقال سامر شقير إن التحليل أظهر كذلك أن التعليم كان محوراً رئيسياً في خطاب جونسون باعتباره الوسيلة الأساسية لكسر دائرة الفقر، وهو ما يتقاطع بصورة مباشرة مع رؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي وضعت تنمية القدرات البشرية في قلب استراتيجية التنويع الاقتصادي.

وأضاف شقير أن هذا التوجه يفتح آفاقاً واسعة أمام قطاعات التعليم التقني والمهني، والتكنولوجيا التعليمية، وبرامج التدريب المستمر، إلى جانب قطاعات الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية التي تستفيد من السرديات التي تربط الاستثمار في الإنسان بتحقيق نمو اقتصادي مستدام على المدى الطويل.

وفي المقابل، أوضح أن القطاعات التقليدية التي لا تتماشى مع هذا السرد تواجه ضغوطاً متزايدة لإعادة الهيكلة والتكيف مع متطلبات الاقتصاد الجديد.

من الرؤية إلى التنفيذ الفعلي

وأشار سامر شقير إلى أن التحليل انتقل بعد ذلك إلى الحركة الثالثة، وهي تحويل السرد إلى دعوة مباشرة للفعل، مستشهداً بقول جونسون: "لم أفكر أبداً في عام 1928 أنني سأقف هنا في عام 1965، لكنني الآن أملك هذه الفرصة، وأعني أن أستخدمها".

وأوضح شقير أن المنشور خلص إلى أنه عندما وصل الخطاب إلى هذه المرحلة، لم يعد الفعل يبدو مجرد قرار سياسي، وإنما أصبح النتيجة الطبيعية الوحيدة الممكنة.

وأكد شقير أن هذا النموذج يتجسد بوضوح في المملكة العربية السعودية، حيث تُطرح المشروعات الكبرى باعتبارها فرصة تاريخية تستوجب التحرك الفوري، وهو ما شجع صندوق الاستثمارات العامة وشركاءه الاستراتيجيين العالميين على ضخ رؤوس أموال ضخمة في قطاعات السياحة والترفيه والبنية التحتية والطاقة المتجددة.

وقال: "السرد الذي ينتهي بدعوة واضحة لاستخدام السلطة والموارد المتاحة في الوقت الحالي هو الذي يحول الخطط إلى تدفقات رأسمالية حقيقية، لأن المستثمرين يرون في هذه الرسائل دليلاً على الجدية والقدرة على التنفيذ."

السرد أصبح ميزة تنافسية لجذب الاستثمار الأجنبي

وأكد سامر شقير أن الاقتصادات العالمية لم تعد تتنافس بالحوافز المالية وحدها، وإنما بجودة القصة التي تقدمها للمستثمرين، موضحاً أن الدول التي تنجح في بناء سرد يربط بين التحديات الراهنة والرؤية المستقبلية والفرص المتاحة تكون أكثر قدرة على حشد الدعم المحلي والدولي.

وأضاف شقير أن المملكة العربية السعودية استطاعت أن تعزز مكانتها التنافسية عبر سرد اقتصادي طموح ومتسق لمستقبل ما بعد النفط، وهو ما منحها أفضلية واضحة في سباق جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والشراكات الاستراتيجية.

تأثير السرد على الاقتصاد الكلي

وقال سامر شقير إن التحليل أوضح أن السرد الجيد يجعل السياسات تبدو وكأنها "الخاتمة الوحيدة الممكنة"، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الكلي من خلال تعزيز الاستقرار السياسي، وتشجيع الاستثمار الخاص، وخفض علاوة المخاطر في أسواق الأسهم والسندات.

وأضاف شقير أن هذا النهج يساعد اقتصادات الخليج على تسريع التحول نحو نماذج نمو أكثر تنوعاً، بما يقلل الاعتماد على تقلبات أسعار الطاقة، ويعزز مرونة المالية العامة.

المخاطر تكمن في فجوة التنفيذ

وأشار سامر شقير إلى أن التحدي الأكبر لا يتمثل في جودة السرد نفسه، وإنما في مدى توافقه مع النتائج الفعلية على أرض الواقع، مؤكداً أن أي فجوة بين الوعود والإنجازات قد تحول السرد إلى مصدر للإحباط، وهو ما يرفع تكلفة التمويل ويؤثر سلباً على معنويات المستثمرين في أسواق الأسهم والسندات المحلية.

وأضاف شقير أن المستثمرين ينبغي عليهم متابعة مؤشرات التنفيذ الفعلي بالتوازي مع تقييم جودة السرد وتماسكه.

القطاعات الأكثر استفادة

وأوضح سامر شقير أن الفرص الاستثمارية الأكثر جاذبية تتركز في القطاعات التي تتوافق مع السرد الوطني للتحول الاقتصادي، وفي مقدمتها السياحة، والترفيه، والتكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية.

وأضاف شقير أن هذه القطاعات تستفيد من الدعم الحكومي والزخم المجتمعي الذي يخلقه السرد القوي، بما يسهم في تسريع العوائد وتقليل المخاطر الاستثمارية.

كما أشار إلى أن الانتشار المتزايد لتحليلات السرد عبر المنصات الرقمية يفتح فرصاً جديدة أمام شركات الاستشارات الاستراتيجية والاتصال المؤسسي التي تساعد الشركات على مواءمة استراتيجياتها مع السرديات الوطنية.

توجيهات استراتيجية للمستثمرين

وأكد سامر شقير أنه ينبغي للمستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية إدراج تقييم جودة السرد الاقتصادي ضمن أدوات العناية الواجبة والتحليل الاستراتيجي، موضحاً أن الاقتصادات التي تنجح في بناء سرديات تربط بين الواقع الملموس، والبعد الإنساني، والدعوة إلى العمل، تكون أكثر قدرة على تنفيذ التحولات الاقتصادية بنجاح، وهو ما يوفر بيئة استثمارية أكثر استقراراً وجاذبية على المدى الطويل.

وأضاف شقير أن عصر المنصات الرقمية جعل فهم ديناميكيات السرد جزءاً أساسياً من عملية اتخاذ القرار الاستثماري.

وقال: "المستثمر الذكي لا يقرأ الأرقام فقط، بل يقرأ القصة التي تُبنى حولها. فالسرد الذي يصنع عالماً ملموساً، ويلامس العاطفة، وينتهي بدعوة واضحة إلى الفعل، هو الذي يبني الثقة اللازمة لتخصيص رؤوس أموال كبيرة على المدى الطويل."

وأضاف: "في الخليج اليوم، حيث تتنافس الدول على تنفيذ رؤاها الطموحة، سيكون الأكثر نجاحاً هو من يجيد فن السرد بنفس قدر إجادته لفن التنفيذ، والتحليل الذي تناول خطاب ليندون جونسون يقدم درساً عملياً بالغ الأهمية في هذا المجال."

وتابع شقير قائلاً: "الفرص الاستثمارية الأكبر غالباً ما تظهر أولاً داخل القطاعات التي تنسجم مع السرد الوطني قبل أن تصبح واضحة أمام جميع المشاركين في السوق، ومن يدرك هذه الديناميكية مبكراً يستطيع أن يتموضع في مقدمة المستفيدين."

السرد القصصي المتقن

واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن السرد القصصي المتقن لم يعد مجرد أداة سياسية، بل أصبح أحد أهم عوامل التميز التنافسي في جذب الاستثمارات المؤسسية واستدامتها خلال مرحلة التحول الاقتصادي، موضحاً أن الدول والشركات التي تنجح في بناء عالم ملموس، وإيجاد ارتباط عاطفي، ثم تحويل ذلك إلى دعوة واضحة للفعل، ستكون الأكثر قدرة على تحويل الرؤى إلى واقع اقتصادي ملموس وعوائد استثمارية مستدامة.