بوابة أبو الهول الاخبارية

سامر شقير: أستراليا على المحك.. كيف يحمي المستثمر نفسه من الصدمات؟

السبت 14 مارس 2026 04:04 مـ 25 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في عالم يُعتبر فيه اقتصاد أستراليا من أكثر الاقتصادات استقرارًا وتطورًا، يظل التساؤل قائمًا حول ما إذا كان التركيز الشديد في عدد قليل من الشركات الكبرى يُمثل تهديدًا لاستدامة النمو، ورغم أرقام الناتج المحلي الإجمالي القوية والاستقرار النسبي، إلا أن الاعتماد على قطاعات محددة، مثل التعدين والخدمات المصرفية والإسكان، يثير مخاوف من انخفاض المنافسة وارتفاع الأسعار، وعلى المستثمرين فهم هذا الهيكل جيدًا، إذ يحمل إشارات مهمة لاتخاذ القرارات الاستراتيجية المناسبة في السوق.

هيكل الاقتصاد والتركيز في القطاعات الرئيسية

اقتصاد أستراليا يهيمن عليه عدد محدود من الشركات في القطاعات الحيوية، في القطاع المصرفي، يسيطر أربعة بنوك رئيسية - كومنولث، ويستباك، NAB، وANZ—على نحو 75% إلى 80% من السوق.

حوالي 70% من الإقراض يذهب إلى قروض الإسكان، بينما الاستثمار في الأعمال الإنتاجية محدود، مما يعيق النمو الصناعي ويعزز التركز العقاري، سوق الإسكان نفسه، الذي بلغ قيمته نحو 12 تريليون دولار أسترالي بحلول 2025، أصبح محور أرباح البنوك، لكنه يخلق مخاطر نظامية في حال حدوث صدمة واحدة، خصوصًا مع ديون منزلية تبلغ 2.3 تريليون دولار، ثلاثة أرباعها متركز لدى هذه البنوك الأربعة.

التركيز بين الكفاءة والمخاطر

التركيز السوقي ليس مجرد مصادفة، بل نتيجة سياسات حكومية وسلوكيات شركات تسعى للهيمنة لتعظيم الأرباح.

يؤدي ذلك إلى انخفاض الاستثمار في الأعمال الإنتاجية، وزيادة التفاوت الاجتماعي، وجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الناتجة عن تقلبات الأسعار أو الركود العالمي.

في قطاع الإسكان، يصف بعض المحللين الوضع بأنه يشبه "مخطط بونزي" مدعوم بالهجرة الجماعية والإنفاق الحكومي، حيث يعتمد النمو على بيع المنازل للوافدين الجدد أكثر من الإنتاج الحقيقي، ومع ذلك، يمكن أن يوفر التركيز فوائد، مثل تحقيق كفاءة أكبر واستثمار في التكنولوجيا، لكن في أستراليا غالبًا ما تذهب الفوائد للشركات على حساب المستهلكين.

دروس من دول أخرى

التركيز السوقي ليس ظاهرة أسترالية فقط، في كندا، يسيطر خمسة بنوك على أكثر من 80% من السوق المصرفية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الإسكان ومخاطر نظامية مشابهة، والتنظيمات الصارمة ساعدت على استقرار السوق، لكنها لم تعالج التفاوت الاجتماعي.

في الولايات المتحدة، أدى التركيز في قطاع التكنولوجيا مثل جوجل وأمازون إلى زيادة الأرباح والابتكار، لكنه قلل المنافسة وزاد الفجوة الاقتصادية.

كوريا الجنوبية شهدت سيطرة التكتلات العائلية الكبرى "الشيبول" على الاقتصاد، مما ساعد على الابتكار، لكنه قلل فرص الشركات الصغيرة، أوروبا، بفضل تنظيماتها الأقوى، حافظت على تركيز أقل حدة، كما في ألمانيا وفرنسا حيث يسيطر عدد قليل من الناشرين على سوق الكتب، مشابهًا لتركيز الإعلام في أستراليا.

نحو اقتصاد أسترالي أكثر توازنًا

التركيز في اقتصاد أستراليا مشكلة حقيقية، لكنه أيضًا نتيجة طبيعية للبحث عن الكفاءة، بدون إصلاحات تنظيمية، قد يؤدي إلى ركود إنتاجي وأزمات مالية، يجب تعزيز المنافسة، تشجيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتقليل الاعتماد على سوق الإسكان.

كمستثمر، أرى أنَّ فهم هذا الهيكل يوفر فرصًا لاتخاذ قرارات استراتيجية أكثر ووعيًا حول المهن والصناعات الواعدة، حيث المعرفة بالنظام الاقتصادي هي القوة الحقيقية في الاستثمار.